تسجيل الدخول

قابلية أو فاعلية ؟

هذا المنتدى خاص بمواضيع اللغة والأدب
  • الكاتب
    رسالة

قابلية أو فاعلية ؟

مشاركةبواسطة Eman » الخميس سبتمبر 23, 2010 7:02 pm

قابلية أو فاعلية ؟


بقلم: د. صاحب أبو جناح – العراق

تتردد في لغتنا اليوم طائفة واسعة من المفردات لم يكن للفصحاء من أهل العربية عهد بها من قبل. فأسلافنا قبل الإسلام وبعده بعقود عدة لم يكونوا يألفون كلمات مثل: ماهية وهوية وذاتية وأنانية وكيفية وكمية وكلية وجزئية ونحوها.

ومما لا شك فيه أن ازدهار العلوم الإسلامية واتساع رقعة العربية والامتزاج الحضاري الذي أعقب فتوح الإسلام كان وراء هذا النمو اللغوي الذي استدعته الحياة الجديدة والنظام الاجتماعي الذي بناه الإسلام على أنقاض الممالك المتداعية، وصار شاهداً على مرونة العربية وطاقتها العالية في مواكبة المسيرة الحضارية المتجددة واستيعاب الحركة الفكرية المزدهرة.

والواضح أن المصطلحات التي تقدمت وسواها من الألفاظ المولدة كانت ثمرة الكتابات الفلسفية والكلامية التي نشأت في نهاية القرن الهجري الأول وازدهرت في العقود اللاحقة، لاسيما بعد نشاط حركة الترجمة وازدهارها أيام المأمون العباسي ومن خلفه من الخفاء والأمراء والملوك والوزراء.

فاشتقاق "ماهية" من عبارة : ماهو ؟ و"هويّة" من عبارة : ضمير الغائب "هو" و"أنانية" من ضمير المتكلم "أنا" و"كيفية" من اسم الاستفهام "كيف" و"كمية" من اسم الاستفهام "كم" ابتكار لغوي جديد وتوليد طريف، خلقته مستجدات الفكر الذي وجد المسلمون أنفسهم في حاجة إليه لمحاورة خصومهم والدفاع عن عقيدتهم بلغة الحوار المعهودة لدى غير المسلمين.

وهذه المصطلحات يدخل معظمها فيما يسميه اللغويون المصادر الصناعية، وهي التي تنتهي بياء نسبة وتاء تأنيث نحو حرية وعبودية وجوهرية وعرضية وغيرها مما اتسع استخدامه اليوم ليشمل جوانب الفكر والاقتصاد والاجتماع في مئات المصطلحات والمصادر الصناعية التي لم تألفها العربية من قبل، نحو: زراعية وتجارية وتربوية ومالية وعلمية وغيرها كثير.

ولا نكاد نجد في القديم غير كلمة الجاهلية التي وردت في أربعة مواضع في القرآن الكريم منها قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) "المائدة: 50" ووردت كلمة رهبانية في الحديث الشريف: (عليكم بالجهاد فإنه رهبانية أمتي).

ويهمنا هنا أن نشير إلى أن كلمتي قابلية وفاعلية وهما من المصادر الصناعية، التي لا نجد لها أثراً في العربية بل هما من ثمرات الأدبيات الفلسفية وعبارات أهل الجدل والمنطق.

ويفهم منهما أن الأولى تعني القدرة على القبول والتقبل، والثانية تعني القدرة على الفعل والتأثير.

فنقول: لفلان قابلية على الفهم والحفظ. أي يتلقى فيفهم ويحفظ، فهو متأثر لا مؤثر. وعلى هذا لا يصح أن نقول: لفلان قابلية على الخلق والابتكار، لأن الخلق والابتكار فاعلية وليسا قابلية، فهما توليد وتدبير وليسا قبولاً ولا تلقياً. ولا يصح أن نقول أيضا: أن لفلان قابلية على المراوغة والاحتيال. لأن القابلية تعني القبول والتأثر في حين تقتضي المراوغة والاحتيال قدرة وفاعلية تقضي إلى التأثير في الآخرين لا التأثر والتقبل.

فالوجه أن نقول: لفلان قدرة على المراوغة والاحتيال ولا شك أن هذا اللبس والوهم في الخلط بين مفهوم القابلية ودلالتها اللغوية ومفهوم الفاعلية ودلالتها اللغوية وهما نقيضان هو السبب في شيوع عبارات نحو: قابلية الجسم على مقاومة المرض وقابلية المتعلم على تجاوز العقبات. والوجه في هذا كله أن يقال: فاعلية الجسم في مقاومة المرض وقدرة المتعلم على تجاوز العقبات. ويمكن أن يقال: قابلية الجسم على الاستجابة للعلاج وقابلية الفرد على استيعاب متطلبات الحضارة. فدلالة القابلية تعني القبول والتقبل الذي يعني التكلّف والمغالبة، لكن هذه الدلالة انحسرت لتعطي مكانها لنقيضها وهو التأثير والفاعلية والمقدرة.

المصدر: مجلة القافلة
صورة
صورة العضو
Eman
مشرفة
مشرفة
 
مشاركات: 647
اشترك في: الخميس مايو 27, 2010 5:44 pm
المكان: السعودية
قام بالشكر : 191 مرة
تم شكره : 248 مرة
أعلى النتائج: 5
الجنس: أنثى

العودة إلى منتدى اللغة والأدب

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 4 زائر/زوار