تسجيل الدخول

لماذا علم الدلالة؟

هذا المنتدى خاص بمواضيع اللغة والأدب
  • الكاتب
    رسالة

لماذا علم الدلالة؟

مشاركةبواسطة Eman » الثلاثاء سبتمبر 21, 2010 11:23 am

لماذا علم الدلالة؟


بقلم الأستاذ: مجيد الماشطة
الجامعة المستنصرية/بغداد

يعني علم الدلالة ببساطة دراسة المعنى. ودراسة المعنى قديمة قدم أفلاطون والجرجاني، إذ وضع الجرجاني أسس علم المعاني الذي عرّفه السكاكي بقوله: (إنه تتبع خواص تراكيب الكلام على ما يقتضي الحال ذكره.) وحدد أحمد الهاشمي هدفين رئيسيين لعلم المعاني العربي.
- معرفة إعجاز القرآن الكريم من جهة ما خص الله به من جودة السبك وحسن الوصف وبراعة التركيب ولطف الإيجاز.
- الوقوف على أسرار البلاغة والفصاحة في منثور كلام العرب ومنظومه.


والواقع فقد أجاد البلاغيون العرب رسم علم المعاني إجادتهم للحقلين البلاغيين الآخرين: البيان والبديع، وتفوقوا في ذلك على ما كتب في معظم اللغات الأخرى.
أما لفظة علم الدلالة "سمانتكس" التي ظهرت لأول مرة عام 1893 عندما استعملها اللغوي الفرنسي (بريل) في مقالة معروفة له، فتستخدم حاليا للإشارة إلى المسار الجديد الذي اختطته دراسة المعنى لنفسها في القرن العشرين. وعلم الدلالة ليس نقيضا لعلم المعاني ولا وريثا له، إنما هو مكمل لذلك العلم. الفرق الجوهري بينهما أن علم الدلالة ليس علما بلاغيا بل حقل لغوي صرف. هذا من جانب، ومن جانب آخر أن علم الدلالة يرواح بين الوصفية والتنظير وذلك باستثمار المستجدات اللسانية الحديثة شأنه في ذلك شأن نظيريه علم الصوت والنحو.

والمعروف أن الدراسات اللسانية قد ركزت في الأربعينات والخمسينات من هذا القرن على علم الصوت. السبب في ذلك أن علم الصوت أسهل هذه الحقول اللغوية الثلاثة خضوعا للنظرة الموضوعية والتحليل المختبري. واتسمت الستينات بالتركيز على النحو إثر انبثاق المدارس النحوية الحديثة وظهور المدرسة التوليدية التحويلية بالذات، أي مدرسة (تشومسكي) وجماعته. ورافق هذا التركيز على النحو تطور في الميادين المتعلقة به مثل اللسانيات النفسية والعموميات اللغوية واحتدام الصراع بين المدرستين البنيوية والتوليدية. وجاءت السبعينات والثمانينات لتصطبغ بالحمى الدلالية المستعرة ولتكرس نتاجها لدراسة المعنى على ما في هذه الدراسة من متاعب ومتاهات. وليس من السهل التيقن عما ستسفر عنه التسعينات. فهناك من يذهب إلى أن الذرائعية (البراغماتية) هي الوريثة الشرعية للدلالية، وهناك من يقول أن النقلة القادمة ستشهد نظرة توفيقية ووقفة مراجعة وتقييماً عاماً للمسيرة اللسانية. وواضح أن هذا التقلب ليس عشوائيا ولا عفويا بل إنه ضرورة تقضي أن نركز على حقل معين تتوافر فيه أفضل مستلزمات البحث الأكاديمي لغرض الوصول إلى مستوى يتوجب عنده الالتفات إلى الحقول المجاورة الأخرى للأخذ بيدها.. وهذه سنّة البحث العلمي.

وما يهمنا في هذه السطور أن الرحلة الدلالية أصعب مسلكا من سابقتيها ولما تحقق ما حققناه قبلها، وما في ذلك من غرابة إذا تذكرنا أن علم الدلالة كان يسميه بعض اللسانيين حتى وقت قريب "سندريلا اللسانيات"، والواقع فإن الطريق لا يزال طويلا أمام الدلاليين ولا زالت الصورة الدلالية بحاجة إلى تشذيب وتعديل كبيرين قبل وضعها في الإطار للساني.

على كل حال، فقد مر علم الدلالة في عموم اللغات بموجات من المد والجزر، وارتبط علم الدلالة في الماضي بالنحو التقليدي ارتباطا وثيقا (الاسم: ما دل على ... ). كما دخل المعنى في الماضي البعيد في المسائل الفلسفية الجدلية مثل طبيعة الحقيقة والمفاهيم الكونية. خذ كلمة حشرة مثلا: ماذا تعني هذه الكلمة ؟ ماذا نعني عندما نقول إننا نعرف كلمة حشرة ؟ تختلف الحشرات فيما بينها بشكل أو بآخر وليس بمقدور أي شخص أن يتعرف إلى كل أصناف الحشرات، ومع ذلك فإننا نقول بكل ثقة وقناعة إننا نعرف معنى حشرة وقادرون على استعمال هذه الكلمة بصورة صحيحة عند الاشارة إلى حيوانات معينة لم نرها من قبل. فهل هناك خواص معينة تميز جميع الحشرات عن جميع الكائنات الأخرى؟ سنجد أنفسنا مباشرة في معمعة الجدال الفلسفي بين التسمويين والواقعيين : فهل للأشياء التي نعطيها اسما واحدا لها خواص أساسية مشتركة تتميز بها عن كل الأشياء الأخرى (كما يدّعي الواقعيون) أو إنها لا ترتبط بأية خاصية مشتركة عدا الاسم الذي تعلمنا، بصورة عفوية، أن نطلقه عليها (كما يدّعي التسمويون) ؟ ستكون الإجابة عن هذا السؤال أصعب إذا انتقلنا من الأشياء الملموسة كالحشرة إلى الأشياء المجردة كالجمال والحقيقة والصراحة. وستكون الإجابة أعسر إذا انتقلنا من الفلسفة التي تكتفي أحيانا بالقناعة الذاتية إلى العلوم الصرفة التي تشترط التعليل الموضوعي.

لقد عملت المدرسة البِنْيوية الأمريكية التي عاشت عصرها الذهبي في الخمسينات على استبعاد المعنى من الدرس اللغوي بدعوى عدم إمكان دراسته دراسة موضوعية مختبرية مثل دراسة الصوت وربما النحو. يقول رائد هذه المدرسة بلومفيلد: (إن المعنى هو نقطة الضعف في دراسة اللغة وسيبقى كما هو عليه الآن.) وساء كثيرون فهم هذا القول واعتقدوا خطأً أن البنيوية الأمريكية لا تؤمن مبدئيا بدراسة المعنى في حين أن ما قصده (بلومفيلد) هو الانتظار وتأجيل هذه الدراسة لحين تمكننا من وصف المجردات بالطريقة التي نصف بها حاليا الملموسات. وضرب (بلومفيلد) مثلا عن الملح: (يمكن تعريف الملح أو تفسير معناه بشكل موضوعي بقولنا إنه تركيب من الكلور والصوديوم.) وبما أن معظم المفردات في اللغة لا تتسم بهذه الموضوعية في تعاريفها فقد اقترح (بلومفيلد) تأجيل دراسة المعنى حتى حقبة لاحقة.

ثم جاءت المدرسة التوليدية التحويلية التي أولت اهتماما كبيرا لدراسة المعنى، غير أن عدم إجماع التحويليين على صيغة محددة واضحة جعل المعنى يدخل مع النحو في جدل جاد بشأن كيفية توليد الجُمل في اللغة : هل نبني الوصف النحوي على المعنى أم نبني الوصف الدلالي على النحو؟ إضافة إلى هذا، وخلافا لعلم الصوت الذي يتمتع نسبيا باستقلالية عالية إذ لا تشترط دراسته عادة ربطها بحقول المعرفة الأخرى، فإن دراسة المعنى ترتبط بالعديد من الحقول المعرفية كالفلسفة والمنطق وعلم النفس، الأمر الذي يجعل هذه الدراسة أكثر تعقيدا من دراسة كل من الصوت والنحو بكثير. تقول رث كمبسن: (لا يستطيع اللسانيون أن يتجاهلوا المسائل التي تثار في فلسفة اللغة أو المنطق الشكلي للغة كما لا يستطيع المناطقة تجاهل المفاهيم اللسانية بشأن النحو والدلالة. وإذا أردنا للعلاقة بين اللسانيات والمنطق والفلسفة أن تكون مثمرة فالمطلوب هو التشذيب الكافي في كل من هذه الحقول الثلاثة لتمكين كل منها من تقويم الفرضيات المطروحة في الحقلين الآخرين.)

على الرغم من كل هذه المعوقات فإن الدلاليين المحدثين راضون عما حققوه : فقد نجحوا مثلا في رسم خطوط "التحليل المكوناتي – Componential Analysis" الذي يختلف عن الجهد القاموسي في أنه يحلل الكلمة إلى أوليات دلالية تتجاوز اللغات الفردية إلى مفاهيم عمومية تنتظم عموم اللغات.

لنأخذ هذه الكلمات: يموت – يقتل – يغتال:
الكلمة ــــــــ الأوليات الموجود فيها
يموت ــــــــ يموت
يقتل ـــــــــــ يسبب + يقتل
يغتال ـــــــــ يسبب + عمدا + يموت

إن عملية اكتشاف الأوليات الدلالية في الكلمات المختلفة تشبه في الرياضيات عملية تحليل الأعداد إلى عواملها المشتركة:
العدد ــــــــــ العوامل الموجودة فيه
3 ــــــــــــــ 3
6 ــــــــــــــ 3 * 2
42 ــــــــــــ 2 * 3 * 7

كما نجحوا في تحديد العلاقات الدلالية بين الكلمات بشكل مفصل كالتجانس والترادف والتضاد بين الجمل المختلفة وذلك بوضع القوانين التي تنظم هذه العلاقات، فللجملتين:
الطفل يطارد القط
القط يطارد الطفل
معنيان مختلفان على الرغم من أن الكلمات نفسها تتكرر في كلتيهما. أما بالنسبة إلى الجملتين:
الفتاة أكلت التفاحة
التفاحة أكلت الفتاة
فالمسألة مختلفة حيث أن واحدة منهما فقط، صحيحة في معناها، علما أن العلاقة المعجمية بينهما تشبه العلاقة بين الجملتين السابقتين.

ويدرس علم الدلالة أيضا الغموض في اللغة وكيفية معالجته: تحدث المراسلون عن حب القائد، أي حب القائد لجنوده أو حب الجنود للقائد.
هذا غيض من فيض ومجرد إشارة عابرة إلى ما حققه علم الدلالة في العصر الحديث وإلى ما قدمه هذا العلم إلى اللسانيين من أجل الوصول بالدرس اللغوي إلى أعلى مستوى ممكن.

المصدر: مجلة القافلة (عدد قديم)
صورة
صورة العضو
Eman
مشرفة
مشرفة
 
مشاركات: 647
اشترك في: الخميس مايو 27, 2010 5:44 pm
المكان: السعودية
قام بالشكر : 191 مرة
تم شكره : 248 مرة
أعلى النتائج: 5
الجنس: أنثى

Re: لماذا علم الدلالة؟

مشاركةبواسطة الفراشة الحمراء » الاثنين سبتمبر 27, 2010 12:42 am

دائما عزيزتي مواضيعك راقية مثلك وثقافية ومفيدة
لك كل الشكر والأحترام والتقدير
بالأمس كانوا معي واليوم قد رحلوا~~~~ وخلفوا في سويد القلب نيرانــا
نذر عليّ لئن عادو وإن رجعــــــــوا~~~~ لأملأن طريق الطف ريحــانــــــا

رحم الله الماضيين

تحياتي لكم جميعا
الفراشة الحمراء
صورة العضو
الفراشة الحمراء
عضو نشط
عضو نشط
التقدم إلى الرتبة التالية:
32.5%
 
مشاركات: 230
اشترك في: السبت مايو 29, 2010 10:17 pm
المكان: في رحمة الله
قام بالشكر : 30 مرة
تم شكره : 39 مرة
الجنس: أنثى

Re: لماذا علم الدلالة؟

مشاركةبواسطة Eman » الاثنين سبتمبر 27, 2010 2:55 am

شكرا عزيزتي الفراشة على مرورك الرائع وعلى كلماتك الطيبة في حقنا :)

خالص تحياتي لكِ :giverose:
صورة
صورة العضو
Eman
مشرفة
مشرفة
 
مشاركات: 647
اشترك في: الخميس مايو 27, 2010 5:44 pm
المكان: السعودية
قام بالشكر : 191 مرة
تم شكره : 248 مرة
أعلى النتائج: 5
الجنس: أنثى

العودة إلى منتدى اللغة والأدب

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: Google Bot و 3 زائر/زوار

cron