تسجيل الدخول

قصة الغريين

هذا المنتدى خاص بالقصص والروايات والخواطر
  • الكاتب
    رسالة

قصة الغريين

مشاركةبواسطة مضر الغالبي » الاثنين أغسطس 02, 2010 8:36 pm

كان للمنذر ملك الحيرة نديمان من بني أسد يقال لأحدهما خالد بن فضلة، والآخر عمرو بن مسعود، فثملا فراجعا الملك ليلة في بعض كلامه، فأمر وهو سكران فحفر لهما حفيرتين فى ظهر الكوفة ودفنهما حيين، فلما أصبح استدعاهما فأخبر بالذي أمضاه فيهما، فغمه ذلك وقصد حفرتهما وأمر ببناء طربالين عليهما وهما صومعتان

وقال المنذر: ما أنا بملك إن خالف الناس أمري، لا يمر أحد من وفود العرب إلا بينهما، وجعل لهما فى السنة يوم بؤس ويوم نعيم، يذبح فى يوم بؤسه كل من يلقاه ويغري بدمه الطرباليين، فإن رفعت له الوحش طلبتها الخيل، وإن رفع طائر أرسل عليه الجوارح حتى يذبح ويطليان بدمه، ولبث بذلك برهة من دهره، وسمى أحد اليومين يوم البؤس وهو اليوم الذي يقتل فيه ما ظهر له من إنسان أوغيره، وسمى الآخر يوم النعيم يحسن فيه إلى كل من يلقى من الناس ويحملهم ويخلع عليهم.
فخرج في يوم من أيام بؤسه إذ طلع عليه عبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر(1) وقد جاءه ممتدحا، فلما نظر إليه قال: هلا كان الذبح لغيرك يا عبيد!
فقال عبيد: أتتك بحائن رجلاه، فأرسلها مثلا، فقال له المنذر: أو أجل قد بلغ أناه، فقال رجل ممن كان معه: أبيت اللعن اتركه فإني أظن أن عنده من حسن القريض أفضل مما تريد من قتله فاسمع فإن سمعت حسنا فاستزده وإن كان غيره قتلته وأنت قادر عليه، فأُنزل فُطعم وشرب ثم دعا به المنذر فقال له: زدني ما ترى، قال: أرى المنايا على الحوايا، ثم قال له المنذر: أنشدني فقد كان يعجبني شعرك، فقال عبيد: حال الجريض دون القريض وبلغ الحزام الطيبين، فأرسلهما مثلين، فقال له بعض الحاضرين: أنشد الملك هبلتك أمك! فقال عبيد: وما قول قائل مقتول؟ فأرسلها مثلا (أى لا تدخل فى همك من لا يهتم بك)، قال المنذر: قد أمللتني فأرحني قبل أن آمر بك، قال عبيد: من عز بز، فأرسلها مثلا، فقال المنذر: أنشدني قولك: أتفر من أهله ملحوب (2) فقال عبيد: أتفر من أهله عبيد* فاليوم لا يبدي ولايعيد* عنت له منيه تكود* وحان منها له ورود
ثم إن المنذر قال له: يا عبيد لا بد من الموت وقد علمت إن النعمان ابني لو عرض لى يوم بؤسي لم أجد بدا من أن أذبحه، فأما إن كانت لك وكنت لها فاختر إحدى ثلاث خصال:
إن شئت فصدتك من الأكحل وإن شئت من الأبجل وإن شئت من الوريد، فقال عبيد: أبيت اللعن! ثلاث خلال كساحيات واردها شر وارد وحاديها شر حاد ومعاديها شر معاد فلا خير فيها لمرتد، إن كنت لا محالة قاتلي فاسقني الخمر حتى إذا ماتت لها مفاصلي وذهلت منها ذواهلي فشأنك وما تريد من مقاتلي، فاستدعى له المنذر الخمر فشرب فلما أخذت منه وطابت نفسه أمر به المنذر ففصد حتى نزف دمه فلما مات غرى بدمه الغريين، فلم يزل على ذلك حتى مر به فى بعض أيام البؤس رجل من طيء يقال له حنظلة فقرب ليقتل فقال: أبيت اللعن! إني أتيتك زائرا ولأهلي فى بحرك مائرا فلا تجعل ميرتهم ما تورده عليهم من قتلي، فقال له المنذر: لا بد من قتلك فسل حاجتك تقض لك قبل موتك، فقال: تؤجلني سنة أرجع فيها إلى أهلي فأحكم فيهم بما أريد ثم أسير إليك فينفذ في أمرك، فقال له المنذر: ومن يكفلك أنك تعود؟ فنظر حنظلة فى وجوه جلسائه فعرف شريك بن عمرو بن شراحيل الشيباني فقال:
يا شريك يا ابن عمرو هل من الموت محاله؟* يا شريك يا ابن عمرو يا أخا من لا أخا له* يا أخا المنذر فك اليوم رهنا قد اتى له يا أخا كل مضاف وأخا من لا أخا له* إن لشيبان قبيل أكرم الناس رجاله*وأبو الخيرات عمرو وشراحيل الحماله* رقباك اليوم فى المجد وفي حسن المقاله
فوثب شريك وقال: أبيت اللعن! يدي بيده ودمي بدمه إن لم يعد إلى أجله، فأطلقه المنذر، فلما كان من القابل قعد المنذر في مجلسه فى يوم بؤسه ينتظر حنظلة فأبطا عليهم فقدم شريك ليقتل فلم يشعر إلا وراكب قد طلع فإذا هو حنظلة وقد تحنط وتكفن ومعه نادبته تندبه، فلما رأى المنذر ذلك عجب من وفائه وقال: ما حملك على قتل نفسك؟ فقال: أيها الملك إن لي دينا يمنعني من الغدر، قال: وما دينك؟ قال: النصرانية، فاستحسن ذلك منه وأطلقهما معا وأبطل تلك السنة وكان سبب تنصره وتنصر أهل الحيرة فيما زعموا.
ومنهم من ذكر القصة بشكل مختلف بعض الشيء ونسب البؤس والنحس للنعمان بن المنذر واختلفوا في جواب حنظلة إذ ذكروا أنه قال بعد سؤال المنذر عن سبب عودته ليلاقى حتفه أنه قال لكي لا يقال ضاع الوفاء عند العرب وكذلك ذكروا لشريك بعد سؤال المنذر له عن سبب كفالته وتعريض نفسه للهلاك أنه قال لكي لا يقال ضاعت المروءة عند العرب.
_________________________________________________________
(1) عبيد بن الأبرص بن عوف بن أسد، وهو شاعر جاهلي قديم من كبار المعمّرين يقال أنه مات وله ثلاثمائة سنة. أدرك امرؤ القيس
(2)
أقفـرَ من أهلهِ مَلْحـوبُ *** فالقُطبيَّــات فالذَّنـــوبُ

فَراكِـسٌ فثُعَيـلٍبــاتٌ *** فَـذاتَ فَـرقَـينِ فالقَـلِيبُ

فَعَـرْدةٌ ، فَقَفــا حِـبِرٍّ *** لَيسَ بِها مِنهُــمُ عَـريبُ

وبُدِّلَتْ مِنْ أهْلِها وُحوشًا *** وغًـيَّرتْ حالَها الخُطُــوبُ

أرضٌ تَوارَثَهـا الجُدوبُ *** فَكُـلُّ من حَلَّهـا مَحْـروبُ

إمَّـا قَتيـلاً وإمَّـا هَلْكـًا *** والشَّيْبُ شَـيْنٌ لِمَنْ يَشِـيبُ

عَينـاكَ دَمْعُهمـا سَـروبٌ *** كـأنَّ شَـأنَيهِمـا شَـعِيبُ

واهِيــةٌ أو مَعـينُ مَـعْنٍ *** مِنْ هَضْبـةٍ دونَها لَهـوبُ

أو فَلْجُ وادٍ بِبَطْـنِ أرضٍ *** لِلمـاءِ مِنْ تَحْتِهـا قَســيبُ

أوْ جَدولٌ في ظِلالِ نَخْـلٍ *** لِلمـاءِ مِنْ تَحتِهـا سَـكوبُ

تَصْبو وأنَّى لكَ التَّصابي ؟*** أنَّي وقَد راعَـكَ المَشـيبُ

فإنْ يَكُـنْ حـالَ أجْمَعِهـا *** فلا بَـدِيٌّ ولا عَجـيبُ

أوْ يـكُ أقْفَـرَ مِنها جَـوُّها *** وعادَها المَحْـلُ والجُـدوبُ

فكُـلُّ ذي نِعْمـةٍ مَخلـوسٌ *** وكُـلُّ ذي أمَـلٍ مَكـذوبُ

فكُـلُّ ذي إبِـلٍ مَـوْروثٌ *** وكُـلُّ ذي سَـلْبٍ مَسْـلوبُ

فكُـلُّ ذي غَيْبـةٍ يَـؤوبُ *** وغـائِبُ المَـوْتِ لا يَغـيبُ

أعاقِـرٌ مِثْـلُ ذاتِ رَحْـمٍ *** أوْ غـانِمٌ مِثْـلُ مَنْ يَخـيبُ

مَنْ يَسْـألِ النَّاسَ يَحْرِمُوهُ *** وســــائِلُ اللهِ لا يَخـيبُ

باللهِ يُـدْرَكُ كُـلُّ خَـيْرٍ *** والقَـوْلُ في بعضِـهٍِ تَلغـيبُ

واللهُ ليسَ لهُ شَــريكٌ *** عـلاَّمُ مـا أخْفَـتِ القُلُـوبُ

أفْلِحْ بِما شِئْتَ قدْ يَبلُغُ بالضَّعْـ *** ـفِ وقَدْ يُخْـدَعُ الأرِيبُ

يَعِـظُ النَّاسُ مَنْ لا يَعِـظُ الدْ *** دَهْـرُ ولا يَنْفَـعُ التَّلْبِيبُ

إلاَّ سَــجِيَّـاتُ ما القُلُـوبُ *** وكمْ يُصَـيِّرْنَ شائنًا حَبِيبُ

سـاعِدْ بِأرضٍ إنْ كُنتَ فيها *** ولا تَقُـلْ إنَّنـي غَـريبُ

قدْ يُوصَلُ النَّازِحُ النَّائي وقد *** يُقْطَـعُ ذو السُّـهْمَةِ القَـريبُ

والمَرْءُ ما عاشَ في تَكْذيبٍ *** طُـولُ الحَيــاةِ لـهُ تَعْـذيبُ

يا رُبَّ مـاءٍ وَرَدتُّ آجِـنٍ *** سَـــبيلُهُ خـائفٌ جَـدِيبُ

رِيشُ الحَمـامِ على أرْجائِهِ *** لِلقَـلبِ مِنْ خَـوْفِـهِ وَجِـيبُ

قَطَعتـهُ غُـدْوة مُشِــيحًا *** وصــاحِبي بـادِنٌ خَبــوبُ

غَـيْرانةٌ مُوجَـدٌ فَقـارُهـا *** كـأنَّ حـارِكَهــا كَثِـيبُ

أخَـلَّفَ بـازِلاً سَـــديسٌ *** لا خُـفَّـةٌ هِـيَ ولا نَـيُـوبُ

كـأنَّهـا مِنْ حَمـيرِ غـاب *** جَـوْنٌ بِصَفْحـَتِــهِ نُـدوبُ

أوْ شَـبَبٌ يَـرْتَعي الرُّخامِي *** تَـلُـطُّـهُ شَـمْألٌ هَـبُـوبُ

فـذاكَ عَصْـرٌ وقدْ أرانـي *** تَحْمِـلُنـي نَهْـدَةٌ سَـرْحوبُ

مُضَـبَّرٌ خَلْـقُهـا تَضْـبيرًا *** يَنْشَـقُّ عَنْ وَجْهِهـا السَّـبيبُ

زَيْـتِـيَّـةٌ نائـمٌ عُـروقُهـا *** ولَـيِّنٌ أسْــرُها رَطِـيبُ

كـأنَّهـا لِقْــوَةٌ طَـلُـوبٌ *** تَـيْـبَسُ في وَكْـرِها القُـلُوبُ

بَـانَـتْ علَى إرْمٍ عَـذوبـًا *** كـأنَّهـا شَــيْخةٌ رَقُــوبُ

فَأَصْـبَحَتْ في غَـداةِ قُـرٍّ *** يَسْـقُطُ عَنْ رِيشِـها الضَّـريبُ

فَأبْصَرَتْ ثَعْلَـبًا سَـريعـًا *** ودونَـهُ سَــبْسَـبٌ جَـديـبُ

فَنَفَّـضَتْ رِيشَـها ووَلَّـتْ *** وَهْـيَ مِنْ نَهْضَـةٍ قَـريـبُ

فاشْـتالَ وارْتاعَ مِنْ حَسِيسٍ *** وفِعْلـهُ يَفعَــلُ المَـذْؤوبُ

فَنَهَضَـتْ نَحْـوَهُ حَثِـيثـًا *** وحَـرَّدتْ حَـرْدَهُ تَسِــيبُ

فَـدَبَّ مِنْ خَلفِهـا دَبيبـًا *** والعَـيْنُ حِمْـلاقُهـا مَقْلـوبُ

فـأدْرَكَتْـهُ فَطَـرَّحَتْــهُ *** والصَّـيْدُ مِنْ تَحْتِهـا مَكْـروبُ

فَجَـدَّلَـتْـهُ فَطَـرَّحَتْــهُ *** فكَـدَّحَتْ وَجْهَـهُ الجَـبوبُ

فعـاوَدَتْـهُ فَـرَفَّـعَـتْـهُ *** فـأرْسَـلَـتْـهُ وهُوَ مَكْـروبُ

يَضغُو ومِخْلَـبُهـا في دَفِـهِ *** لا بُـدَّ حَـيْزومُـهُ مَنقُــوبُ
آخر تعديل بواسطة مضر الغالبي في الخميس سبتمبر 09, 2010 8:02 pm، عدل 2 مرات.
صورة
صورة العضو
مضر الغالبي
عضو نشط
عضو نشط
التقدم إلى الرتبة التالية:
12.3%
 
مشاركات: 149
اشترك في: السبت مايو 29, 2010 6:17 pm
قام بالشكر : 80 مرة
تم شكره : 64 مرة
الجنس: ذكر

Re: قصة الغريين

مشاركةبواسطة Eman » الاثنين أغسطس 02, 2010 9:25 pm

شكرا جزيلا على هذا الجهد الكبير وتعريفنا بأصل هذه التسمية

أحسنتم كثيرا وننتظر المزيد من إبداعاتكم :)
صورة
صورة العضو
Eman
مشرفة
مشرفة
 
مشاركات: 647
اشترك في: الخميس مايو 27, 2010 5:44 pm
المكان: السعودية
قام بالشكر : 191 مرة
تم شكره : 248 مرة
أعلى النتائج: 5
الجنس: أنثى

العودة إلى منتدى القصة والرواية والخاطرة

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 2 زائر/زوار