تسجيل الدخول

مسائل الرياضيات المفتوحة بلا حل

هذا المنتدى يهتم بالمواضيع العلمية
  • الكاتب
    رسالة

مسائل الرياضيات المفتوحة بلا حل

مشاركةبواسطة Eman » الخميس ديسمبر 02, 2010 2:30 pm

مسائل الرياضيات المفتوحة بلا حل

فاضل التركي

نسمع عن مسائل في الرياضيات ليس لها حل، ونسمع عن مسائل حلّها عباقرة بعد أن كانت غير قابلة للحل. فما هي حكاية المسائل التي ليس لها حل؟، وما أهمية كل هذا الصخب الذي شغل علماء الرياضيات والمهتمين بها؟، هل من الممكن فهم هذا الموضوع بيسر بعيداً عن تعقيدات المتخصصين؟
فاضل التركي، يتناول هذا الموضوع بالتدرج، بدءاً باستيعاب الموضوع بالبدء بمعرفة طبيعة الرياضيات، ونشأتها، ثم وجود مسائل لا حل لها عبر مسيرة الرياضيات، ليجول بنا أخيراً على نماذج ممتعة سهلة الفهم من المسائل المفتوحة اليوم، ونتائج وجود أو عدم وجود حل لها على أرض الواقع.

في كتابه «من أين تأتي الرياضيات»، يقول جورج لاكوف إن الرياضيات: «دقيقة، متسقة، ثابتة عبر الزمن وعبر المجتمعات الإنسانية، يمكن أن نجعلها مرمّزة، قابلة للحساب ويمكن أن نستخرج منها التعميمات، وهي متوافرة للجميع، موضوعاتها منسجمة مع بعضها، وهي وسيلة فعالة للتوصيف والتوضيح والتنبؤ بكثير من جوانب حياتنا اليومية التي تشمل الحساب والمباني والأعمال والعلوم والتقنية».

الرياضيات هي حقل واسع من الاهتمامات ندرس فيه خصائص الأمور وكيف تتفاعل مع بعضها. لقد بدأت الرياضيات عندما اهتم الإنسان بالعدّ والحساب وتطورت إلى مجموعات من الأدوات والتصنيفات والمصطلحات التي تراوح بين تلك التي هي في غاية التجريد وتلك التي هي في غاية الواقعية. فمن العدّ تدرَّج الإنسان إلى الحساب إلى القياس ثم اهتم بالأشكال وتشابهها ومساحاتها وملاحظة حركة الأجسام في الطبيعة. حتى وصل اليوم إلى علم يندرج تحته الكثير من المجالات الواسعة التي تجعل من متخصص في أحدها لا يعرف شيئاً ذا بال عن مجال آخر من دون أدنى شعور بخجل. وتتنوع مجالات الرياضيات بين الجبر والهندسة التحليلية والتكامل والتفاضل والقياس ونظرية الأشكال والشبكات. وتتنوع الرياضيات بين نظرية الأعداد ونظرية المجموعات والمنطق ونظرية الإحصاء والاحتمالات. وتتوزع هذه المجالات على ما هو تجريدي تماماً، وآخر تطبيقي.

يستل الرياضيون أفكارهم من الطبيعة والواقع. وقد تتطوَّر هذه الأفكار لتتعالى في طبقات من التجريد، فيخترعون أنظمة تُبنى على مسلَّمات أولية، وعمليات وخصائص ثم يضعون القوانين والنظريات ويستخرجون منها خصائص واستنتاجات واكتشافات قد لا تكون خطرت لهم ببال أول الأمر. ولكي نذوق شيئاً من ذلك، لنأخذ مثلاً مجموعة من الألوان، ولنفترض أننا عندما «نمزج» أي لونين معاً، سيظهر لنا لون هو أحد الألوان التي كانت في المجموعة الأساسية. لو «مزجنا» اللون الأصفر مع الأزرق معاً فسنحصل على اللون الأخضر، الذي هو لون من ألوان المجموعة. فهل إذا غيَّرنا ترتيب المزج سيغير ذلك من النتيجة؟ لو مزجنا الأزرق والأصفر، فسنحصل على اللون نفسه في حالة المزج الأولى، أي الأخضر دائماً.

عندما يدرس عالِم الرياضيات مثل هذا المثال، فإنه يحاول أن يلاحظ مجموعة من الخصائص لعملية المزج هذه، وللألوان والنتائج، ليخرج بتعميمات وتجريد يخلص به إلى فكرة مجردة يمكن أن تفيد في مجالات أخرى كثيرة. يستطيع الرياضي الذي يدرس مثل هذا المثال أن يلاحظ مثلاً، أنه مهما مزج من ألوان، فإنه لا يخرج عن مجموعة الألوان الأولى التي عنده. هذه اسمها «خاصية الإغلاق». هناك خاصية التبادل التي لاحظناها عندما بادلنا بين البدء بالأزرق ثم الأصفر أو العكس. لم يغيِّر ذلك شيئاً من النتيجة. يستطيع الرياضي أن يجرب، أن يقوم بعملية بين لونين ثم يأخذ النتيجة ويمزجها بلون آخر. وسيلاحظ أن ذلك يحافظ على خاصية الإغلاق.

إن ملاحظات كهذه في مثال الألوان والأرقام وكل ما حولنا من أشياء وأمور، فتحت مجالاً واسعاً في مجال الجبر، وسَّعَ الجبر من عمليات تجرى على الأرقام إلى عمليات تجرى على موضوعات كثيرة وجديدة وتؤدي إلى اكتشافات مدهشة، ويطلق عليه اسم «مجال البنى الجبرية» الذي يضم كثيراً من البنى المفيدة مثل الزمر والمجموعات والحقول والحلقات ولها تطبيقاتها في العلم والتكنولوجيا وجوانب الحياة اليومية.

حكاية المسائل التي لا تُحل؟
كيف يمكن أن توجد مسألة بلا حل؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن ندرك أن العلماء حين يطرحون مسألة ما للنقاش فإنهم مطالبون بحلها وفق التصورات المثبتة لشكل العالم والكون من حولهم. وهذه التصورات خاضعة للتغير بدورها. فعلى سبيل المثال، كانت البشرية مُلزَمة بالتصور الذي وضعه أرسطو وفلاسفة الإغريق بأن الأرض هي مركز الكون. ولم يتغير هذا التصور في العقل الأوروبي حتى القرن السابع عشر الميلادي حين دافع جاليليو عن نظريات كوبرينيكوس القائلة بدوران الأرض حول الشمس. الإثبات العلمي لهذه الفكرة قاد إلى فتوحات علمية عدة بخصوص الكثير من المستغلقات! هناك أيضاً إقلديس وكتابه «العناصر» الذي وضعه في حدود الثلاثمائة سنة قبل الميلاد. ويُعد من الأعمال المبكرة في الرياضيات التي بنيت بصرامة علمية. كان إقليدس قد وضع مجموعة من الفرضيات أسست لكل ما في هندسة الإقليدية بالبرهان، وظلت تدرس حتى بدايات القرن العشرين دون أن يتمكن أحد من الإتيان ببديل. لقد أسست كتب إقلديس الثلاثة عشر أصول الرياضيات التي بنت كثيراً من النظريات وأسست للكثير من المعارف. لم يكن يطلق على الهندسة الرياضية غير اسم «الهندسة» طيلة ألفي عام. لقد احتجنا ألفي عام لكي نتوصل إلى هندسة «لا إقليدية»!

تقول الفرضية الخامسة في الهندسة الإقليدية إنه لو وجد خط مستقيم في سطح ثنائي الأبعاد، ووجدت نقطة خارج المسقيم، فليس هناك إلا خط مستقيم واحد آخر يمكن أن يمر في النقطة هذه ولا يقطع المستقيم الأول. لقد كانت هذه الفرضية ثابتة طيلة ألفي عام. لقد خطر ببال ريمان، أن يجرب سطحاً مثل سطح الكرة الأرضية. إن هذا النموذج من الأسطح، لا يسمح في فرضية إقليدس بأي خط مستقيم مواز للأول. أما إذا تصورنا سطحاً مشابهاً لشرائح بطاطا (برينجلز) مثلاً فإنه بالإمكان رسم عدد لا نهائي من الخطوط المستقيمة الموازية للأول، تمر في تلك النقطة ولا تتقاطع معه. لقد احتجنا ألفي عام كي نخرج من أسر هندسة إقليدس إلى عالم جديد من الهندسة اللاإقليدية.

عام 1900م وقف في باريس ديفيد هلبرت، عالم الرياضيات الألماني وطرح ثلاثاً وعشرين مسألة غير محلولة. لقد طلب هلبرت من العلماء أن يتقدَّموا بحلول لهذه المسائل من أجل الانتقال بالرياضيات إلى عوالم جديدة. وتنوَّعت هذه المسائل في المجالات. حظيت هذه المسائل باهتمام بالغ ولقي بعضها حلاً، بينما لم يحالف الحظ الرياضيين في مسائل أخرى. وفي عام 1912م، قدَّم لاندو أربع مسائل تتطلب حلاً. وبعد مئة عام مرت على مسائل هلبرت، تقدم سميل بـثماني عشرة مسألة أخرى. وخصص معهد (كليه - Clay) للرياضيات جائزة مليون دولار أمريكي لمجموعة من سبعة مسائل رياضية مستحيلة تنتظر حلاً .. حلت واحدة منها فقط في عام 2006م!

لكن، كيف تظهر هذه المشكلات في الرياضيات؟
من طبيعة علماء الرياضيات أنهم يتتبعون ويرصدون الخصائص والميزات، يقارنون ويلاحظون ويستكشفون الأنماط وأوجه الشبه والاختلاف، ويركبون ما يستطيعون من موضوعات مع موضوعات أخرى. ومن طبيعة الرياضيات أيضاً، ترابط موضوعاتها وتنقل الاهتمام بين التجريد العالي إلى العمليات التطبيقية. وزيادة على هذا، فإن علماء الرياضيات لا يفضلون الحساب الميكانيكي المكرر ولا أية عملية تجلب الملل. إنهم إذا أرادوا القيام بحساب مثلاً، يتفادون ما استطاعوا الحساب بطريقة تقليدية، ويستخدمون أساليب وتقنيات جديدة، ويخترعون نظريات وطرقاً لعمل ذلك بشكل أسرع وأكثر فعالية. إنهم بطبيعتهم كعلماء لا يرضيهم ما بين أيديهم. وعملهم الدؤوب يولد الكثير من الملاحظات والاستكشافات والمزيد من الشك في بنى الرياضيات التي أسسوها على البرهان، ويبحثون عن أسئلة جديدة. هكذا تتولد أسئلة ومشكلات تكون شغلهم الشاغل حتى تحل وتستكشف بعدها أراضٍ لم يكونوا وصلوا لها من قبل. وأكثر من ذلك، إنهم قد يفنون حياتهم ويدفعون كل ما لديهم من أجل أن يأتي يوم يرون فيه حلاً لمسألة ظلت عصية عليهم عقوداً من الزمن. ومن نافلة الذكر أن تطور التقنيات الحاسوبية منذ منتصف القرن العشرين قدَّم لعلماء الرياضيات أساليب ثورية في حل المعضلات، وتحداهم في الوقت نفسه بأسلوب أحدث في اختلاق أسئلة وتصورات عصية على الحل!

لنتابع ونقترب من بعض هذه المسائل المفتوحة غير المحلولة ونحاول أن نستوعبها ببساطة، ونرى ماذا يمكن أن يحدث لو تم أو لم يتم حلها. سنتناول مسألتين: الأولى رياضية تتعلق بعلم الحاسوب وإيجاد الحلول، وتعرف باسم P مقابل NP. أما الأخرى فهي مسألة إثبات فرضية ريمان. سنناقش الأولى ثم الثانية ونتعرف إلى طبيعتهما وتبعاتهما.

مسألة P مقابل NP
في العلم الحاسوبي يوجد شيء اسمه (الزمن الخطّي – Polynomial Time) أو P-Time اختصاراً، وهو مبدأ معقد يمكن تبسيطه بتصور الزمن الذي يلزمنا لنمُر على الأعداد من 1 إلى عشرة.. نحن سنمر عليها بالتسلسل. والآن لنتصور زمناً هو مضاعف لهذا الزمن الخطي: مربع الزمن الخطي، أو الجذر التكعيبي للزمن الخطي. هذا الزمن المفترض في علم الرياضيات هو زمن لا-خطي: Non-Polynomial أو NP اختصاراً.

المسألة المعلَّقة، حديثة العهد نسبياً، قدَّمها عالم الحاسوب ستيفن كوك عام 1971م،
وتتعلق بإيجاد حلول برمجية -خوارزميات- لحل المعضلات الرياضية. فنحن نكتب للحاسوب برامج على هيئة خطوات متسلسلة تصل في النهاية إلى ناتج هو حل للمسألة. لكن هناك مسائل أعقد من غيرها. بعض هذه المسائل قد لا يكون لها حل، وبعضها قد يكون لها حل، لكن ليس في وقت خطّي أو معقول. هذا يعني أننا نكتب للمشكلات البسيطة برامج تنتهي في وقت معقول وتصل بنا إلى النتيجة الحسابية. في الرياضيات فإن الوقت المستغرق لحل مسألة بشكل «معقول» لا يتجاوز حل معادلة كثيرة الحدود ذات مجهول واحد س.

أما في عالم الحاسوب فهناك مسائل يصعب حلها في وقت خطي. فمثلاً، إذا كان لدينا مجموعة مكونة من الأعداد 10 و5 و-2 و-7 و3 و6، فهل هناك مجموعة من هذه الأعداد يكون مجموعها يساوي صفراً؟ الجواب نعم. يمكن أن نختار مجموعة جزئية منها مكونة من -2 و-7 و3 و6. إن جمع هذه الأعداد المختارة يساوي صفراً. لكن إيجاد برنامج لحل مثل هذه المسألة لن يعمل على الأقرب لحلها في وقت معقول، خصوصاً إذا كان حجم مجموعة الأعداد المعطاة ضخماً.

[color=#8000BF]ما هي المسألة P مقابل NP إذن؟[/color] القسم P من المسألة يقول إننا قد نستطيع أن نجد حلاً للمسألة في وقت معقول. أما القسم NP فيقول إن حل المسألة يتطلب وقتاً غير معقول. بمعنى آخر، هل أن المسائل التي يستغرق التحقق من وجود حل لها وقتاً معقولاً، يستغرق تنفيذ حلها وقتاً معقولاً أيضاً؟

لم يستطع الرياضيون ولا علماء الحاسوب أن يوجدوا برهاناً يؤكد ذلك. وهي مسألة من مسائل معهد (كليه) للرياضيات. لقد تقدَّم فايني دولاليكار من معهد «اتش بي» للأبحاث ببرهان في بداية شهر أغسطس 2010م. وكان خبراً مدوياً في الأوساط العلمية بالإضافة إلى أن فايني كان سيحظى بعد شرف هذا البرهان المرتجى، بمليون دولار أمريكي. لكن الفرحة لم تكتمل، إذ ما إن خرج البرهان مفصلاً على الإنترنت ووصل إلى أيدي المهتمين، حتى تبيَّن لهم أن فيه أخطاءً وزلات فتم رفضه.

إن التوصل إلى برهان يثبت أو ينفي علاقة P بـ NP، سيغيِّر كثيراً من القناعات في مجال الحاسوب. وإذا أمكن البرهنة على توافر حلول ذات وقت معقول للمشكلات من فئة NP، لحصل تقدم في حل مشكلات شبيهة بمشكلة المجموعة الجزئية المذكورة أعلاه، مثل مشكلات فك تشفير الحماية السرية في الإنترنت ومشكلة التنبؤ ببنية البروتين التي قد تحدث تقدماً كبيراً في علم البيولوجيا. أما إذا لم يتم ذلك، فسوف يذهب بالأمل في وجود حلول ذات وقت معقول لتلك المشكلات وسيكون خبراً محبطاً لعلماء الحاسوب، وسيكون مخرجهم الوحيد هو تطوير حواسيب ذات قدرات معالجة متقدمة جداً، لتقليل الوقت الذي يحتاجه الحاسوب لتنفيذ برامج معقدة الخوارزميات من أجل اختصار الوقت والوصول للنتائج.

يقول صاحب المسألة غير المحلولة، ستيفن كوك: «ستكون نقلة للرياضيات إذ إنها ستجعل الحاسوب قادراً على إيجاد برهان لكل نظرية ذات برهان معقول الطول، وذلك لأن كل برهان دقيق يمكن إيجاده في وقت معقول».

مسألة فرضية ريمان
تُعد هذه المسألة من أعظم المسائل وأقدمها، ويقدِّم العلماء حياتهم ويدفعون غالي الثمن ليروها يوماً قد حُلّت. إنها من أصعب الفرضيات التي استعصت على توفر برهان لها. إنها فرضية ريمان (Riemann hypothesis) التي كان قدَّمها عام 1859م. مئة وخمسون عاماً ولم يتقدَّم أحد ببرهان على فرضية من ضمن نتائجها أن تحدد لنا كيف تتوزع الأعداد الأولية في عالم الأرقام.

قبل أن نقترب من هذه الفرضية وخطورتها، لنحاول فهم الأساسيات. العدد الأولي في الرياضيات هو العدد الذي لا يقبل القسمة إلا على نفسه أو على الواحد، مثل الأعداد 1 و2 و3 و5 و7 و11 ... وهذه الأعداد لها الكثير من الخصائص المميزة عدا ما ذكرنا من خاصية قبول القسمة. لم يعرف علماء الرياضيات طريقة يستطيعون من خلالها معرفة توزيع الأعداد الطبيعية وطريقة استخراجها سوى ما قدَّمه ريمان من فرضية ليس عليها برهان. إن الأعداد الاولية ليس لها نظام يحدد كيف تتوزع في خط الأعداد. لكن ريمان قدَّم دالة أطلق عليها اسم «زيتا»، كانت استخرجت عدداً كبيراً من الأعداد الأولية ورسمتها على خط عمودي ثابت.

وقد صمم ريمان «زيتا» هذه بحيث أنه كلما أدخل رقماً أولياً إليها، كان جواب الدالة صفراً. والدالة د (س) = س -1 تكون صفراً عندما نعوِّض عن س بالعدد 1، ونقول في هذه الحالة أن 1 هو صفر لهذه الدالة. لقد تم استخراج حلول لدالة ريمان بما يساوي مليار وخمسائة مليون صفر. والمقصود بذلك، أنه تم حتى اليوم استخراج هذا العدد من الأعداد الأولية، ولكن ليس هناك برهان على أن هذه الدالة ستعمل لكل الأعداد الأولية في خط الأعداد اللانهائي. إن هذه الدالة «زيتا» ليست مختصة بالأعداد الأولية وحسب. إنها تستخرج دائماً أعداداً مركبة من جزئين حقيقي وتخيلي. ومن عجائبها أن العدد الحقيقي عندما يكون صفراً هو دائماً نصف (1/2).

المشكلة أننا في العلم الطبيعي، والرياضيات أنقى درجات العلم، لا يمكن أن نصدِّق بمقولة أو فرضية حتى نبرهن عليها. فتكرار نجاح تجربة ما عدداً كبيراً من المرات، لا يعني بحال من الأحوال صدقها مطلقاً وأبداً. فخلل واحد، أو تجربة تخرج بنتيجة غير متوقعة واحدة، سينسف كل شيء. وفي الرياضيات، لا يمكن قبول المقولات والفرضيات ولا تصل إلى مرحلة نطلق عليها اسم القانون حتى نقدِّم على ذلك برهاناً قاطعاً. وحتى اليوم، لم يظهر برهان على صدق فرضية ريمان، التي بقيت أحد التحديات السبع التي شهرها معهد «كليه» في وجه العالم منذ عام 2000م مقابل مليون دولار أمريكي لمن يقدِّم برهاناً على صدقها.

بالإضافة إلى كون هذه المسألة، من مسائل معهد «كليه» ذات الأولوية والأهمية، فإن مسألة إثباتها كانت المسألة الثامنة في قائمة هلبرت. إن البرهنة على صدق هذه النظرية سيكشف لنا توزيع الأعداد الأولية التي هي حجر الأساس للأعداد والتي يمكن لنا أن نحلل كل عدد إلى أعداده الأولية. إنها ستكشف لنا عن مساحات الفراغ بين كل عدد أولي وآخر. فهناك من يربط نتائج إثبات هذه الفرضية بتطورات في فيزياء الكم وأخطاراً على أمان الإنترنت واكتشاف وسائل التعمية والترميز في صناعة المفاتيح.

لكن، يبدو أن فرضية ريمان هذه صعبة النقض حسب تصور كثير من العلماء، وأنها تعمل بشكل غريب ومدهش. لقد سأل أحدهم ديفيد هلبرت في آخر أيامه عما يريد أن يكون أو عن سؤال يسأله لو عاد إلى الحياة بعد خمسمائة عام، فرد قائلاً: «هل أثبت أحد فرضية ريمان؟». لقد عاش ريمان أربعين عاماً وحسب، والورقات القليلة التي نشرها في الرياضيات غيَّرت وجهها إلى الأبد. ومهَّدت لنظرية آينشتاين في نسبتيه العامة بخصوص ما تحدثنا عنه في الهندسة اللاإقليدية والخطوط المتوازية.

هل حدث أن حلت بعض المسائل المفتوحة؟
لقد تمكن عدد من علماء الرياضيات من بعض هذه المسائل المفتوحة على مر السنوات. ونذكر حكاية بيرلمان، الرياضي الروسي الذي رفض المليون دولار أمريكي جزاء إثباته حدسية «بونكاريه» الشهيرة التي ظلت بلا برهان لقرن من الزمان. وتم حل مسائل أخرى من ضمن المسائل المفتوحة، فتحت آفاقاً جديدة وآمالاً وحركت عزائم علماء الرياضيات لبذل المزيد من الجهد وتوسيع الخيال والإمكانات.

كان برتراند راسل ووايتهيد في وقت قريب من طرح هلبرت للمسائل المفتوحة عام 1900م، قد نشرا كتابهما «أصول الرياضيات»، الذي كان الهدف منه مراجعة كل الرياضيات وتأسيسها مجدداً على أسس أكثر صرامة مبنية على المنطق والبرهان، حتى لأنك تجد برهاناً لـ 1+1=2 في صفحات مفصلة! لقد كشف عمل راسل ووايتهيد أن هناك الكثير من الثغرات والمتناقضات في هذا العلم. وقد قدَّم راسل حلاً لبعض ما اكتشفه من متناقضات. وعندما تقدم كرت جودل لمسائل هلبرت وكانت بين يديه نسخة من كتاب راسل ووايتهيد، ضرب اليقين الذي كانت عليه الرياضيات وتحولت إلى أرضية مهزوزة. كان جودل يريد أن يساعد في حل المسائل، فحل واحدة وانقلب في الثانية ليثبت أن أي نظام رياضي هو غير كامل، وغير متسق كقانون عام قدم عليه البرهان. إن ذلك دفع بعلماء الرياضيات إلى التفكير في بناء أرضية أكثر ثباتاً مما كانت عليه الرياضيات طيلة القرون السابقة.

إن طبيعة الرياضيات تتميز عن طبيعة العلوم الطبيعية الأخرى في كونها علماً متراكم المعارف، يبنى جديد الأفكار فيها على ما تم إثباته مقدماً. وإذا وضعنا بعد الملاحظة والدراسة نظاماً جديداً، فيجب أن نسلم بفرضية من دون مبررات ولا نفترض صحة فكرة هكذا ابتداء. إن المنهج العلمي لهو أساس بارز في تأسيس الفكر الرياضي، ويكون في أقصى درجات الأناقة والتصميم.

وهناك ميزة أخرى من ميزات الرياضيات، وهي أن موضوعاتها ومجالاتها تترابط فيما بينها برباط ينسجها مهما بعدت عن بعضها. وزيادة على ذلك، فإن هذه المجالات والموضوعات قد نركِّبها كعناصر، نجري عليها عمليات أعلى، فتصبح رياضيات جديدة عليها تعمل على رياضيات تحتها. لن يكون ذلك بالطبع ترفاً فكرياً ولا صراعاً على ورق. إنه عالم عجيب من أرقى ما ينتج الفكر الإنساني، ويعود عليه بانعكاسات على الواقع في فهم هذا العالم، واختراع التسهيلات وتسخير التكنولوجيا التي لم تكن ممكنة بدونها. إن أقصى طموحات العلوم الطبيعية المتقدمة التي تفيد من الرياضيات، أن تصل في النظري إلى درجة عليا من الأناقة كهذه.

كانت النسبية ستكتشف قبل أن يكتشفها آينشتاين بأربعين سنة، وكان ريمان قدَّم لها قواعدها الراسخة يوم قدَّم فكرة نموذج للهندسة اللاإقليدية. واليوم، يلتقي الفيزيائيون بالرياضيين الذين خدموهم كثيراً فأسسوا فيزياء جديدة. ويقترح آينشتاين تقديم حلول لمعضلات في نظرية الأعداد، وآخرون يفكرون في حلول لمسألة فرضية ريمان فيما يتعلق بالأعداد الأولية وعلاقتها بمستويات الطاقة في الذرات في عالم فيزياء الكم.

رأينا كيف بدأت الرياضيات، ولمحنا سريعاً كيف تأتي وكيف تخترع بكل هذه الأناقة وكيف يستفاد منها في مجالاتها المتنوعة باختلاف درجة تجريد أفكارها وقربها من التطبيقي.

لقد استغرقنا 2000 عام لكي ندرك أن الهندسة الإقليدية ليست كل شيء، وأن هناك غيرها لم نتصوره. وكم تصورنا ونحن نحدّ عدد المسائل والمعضلات بعدد، أننا اقتربنا من توحيد صيغة واحدة تجعل من الرياضيات حقلاً مترابطاً بشكل تام، فوجدنا أن ذلك نذير خطر بهدم أساس هنا وأساس هناك، وربما نسف كل جهود الإنسانية، ليتطلب منا إعادة بناء كل شيء من جديد.

لم تكن الرياضيات في هدوء منذ نشأتها، بل إن في مسائلها المفتوحة ما زالت مفتوحة لقرون لم تُحل. وبعيداً عن هذه المسائل المفتوحة، ظلت الرياضيات تلمع وتلوح أنيقة صارمة من الخارج، وهي تغلي وتموج من الداخل في حال التأسيس والمراجعة، يؤجج نارها بنُوها من العلماء، وفاءً لها منهم وحباً. بقي أن عجلة تقدم هذه الرياضيات رهينة باتساع معرفة علمائها وجلدهم وقدرتهم على الصبر وسعة الخيال وإصرارهم على فتح مسائل جديدة، ولو اضطرهم ذلك العودة إلى أقصى البدايات.

المصدر: مجلة القافلة
صورة
صورة العضو
Eman
مشرفة
مشرفة
 
مشاركات: 647
اشترك في: الخميس مايو 27, 2010 5:44 pm
المكان: السعودية
قام بالشكر : 191 مرة
تم شكره : 248 مرة
أعلى النتائج: 5
الجنس: أنثى

  • مواضيع مشابهة
    ردود
    مشاهدات
    آخر مشاركة

العودة إلى المنتدى العلمي

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 2 زائر/زوار