(146)


 الدرس التاسع عشر

الإدراك

* الإدراك

* خلط ولبس

* تجرّد المُدْرِك والمُدْرَك

* فكِّر و أجب

(148)


 

الإدراك

ونريد في هذا الدرس أن نطلّ على بحث الإدراك، ليتبيّن لنا ما إذا كان الإدراك ظاهرة مادية توجد في المادة حين بلوغها مرحلة خاصة من التطور والكمال أو أنها تعبّر عن لون من الوجود، مجرد عن المادة وظواهرها وقوانينها.

 

خلط ولبس:

لقد أكدت بعض المدارس المادية ومنها الماركسية على المفهوم المادي للفكر، وهو ما يظهر من آرائهم وتصريحاتهم المأثورة عنهم:

قال ماركس:

«لا يمكن فصل الفكر عن المادة المفكرة، فإنّ هذِهِ المادة هي جوهر كل التغيرات». (1)

وقال انجلز: (2)

«إن شعورنا وفكرنا ـ مهما ظهرا لنا متعاليين ـ ليسا سوى نتاج عضوي مادي
 


1 ـ المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، ص 19.
2 ـ «فريدريك ‏انجلز 1820 ـ 1895م  Engels» اشتراكي وفيلسوف ألماني، اشترك مع ماركس في وضع «البيان الشيوعي» عام 1848 م.

(149)


 

جسدي، هو الدماغ». (1)

ومما يوهم صواب الماركسية في فهمها للإدراك ما توصل إليه العلم من مكتشفات على مستوى الفيزيولوجيا حيث «استكشفت عدة أحداث وعمليات تقع في أعضاء الحس، وفي الجهاز العصبي بما فيه الدماغ، وهي وإن كانت ذات طبيعة فيزيائية كميائية ولكنها تمتاز بكونها أحداثاً تجري في جسم حي فهي ذات صلة بطبيعة الأجسام الحية. وقد استطاعت الفيزيولوجيا بكشوفها تلك أن تحدّد الوظائف الحيوية للجهاز العصبي وما لأجزائه المختلفة من خطوط في عمليات الإدراك. فالمخ مثلاً ينقسم بموجبها إلى أربعة فصوص هي: الفص الجبهي والفص الجداري والفص الصدغي والفص المؤخري؛ ولكل فص وظائفه الفيزيولوجية، فالمراكز الحركية تقع في الفص الجبهي، والمراكز الحسية التي تتلقى الرسائل من الجسم تقع في الفص الجداري، وكذلك حواس اللمس والضغط. أما مراكز الذوق والشم والسمع الخاصة، فتقوم في الفص الصدغي في حين تقوم المراكز البصرية في الفص المؤخري إلى غير ذلك من التفاصيل». (2)

 

وواضح من كلمات أصحاب الاتجاه المادي وأمثالهم الخلط بين الإدراك وبين ما يعتمد عليه من مقدمات ومعدات تمهِّد له، فالتبس عليهم الأمر فظنّوا أن المقدمة هي بنفسها ذو المقدمة. في حين يرى الفلاسفة الإلهيون أن الروح مركز لكل ألوان الإدراك، إلا أن كل ما يصدر عنها من نشاط ومنه الإدراك والإحساس لا يتحقق إلا عبر البدن وأجهزته الإدراكية كالباصرة واللامسة والذائقة والشامّة و
 


1 ـ «لودفيج فيور باخ»، ص 57.
2 ـ السيد محمد باقر الصدر، فلسفتنا، ص 375، دار الكتاب الإسلامي، إيران ـ قم.

(150)


 

السامعة، فالروح تدرك عبرها المبصرات والملموسات والمذوقات والمشمومات والمسموعات كما وإن الروح تدرك عبر المخِ بعض المفاهيم والاستنتاجات الكلية التي لا تمت إلى الحس الخارجي بصلة، ويكون المخ قناة لوصول الروح إليها. فالإدراك مركزه الروح، وليس البدن بما فيه من أجهزة حسيّة وعصبية مخيّة، إلا وسيلة للوصول إليه، وهذا لا يعني بحال إلغاء دور ما سوى الروح في عملية الإدراك، بل إنّ له دوراً مهماً وأساسياً في عملية الإدراك، إذ بدونه لا يتحقق إدراك عند موجود مدرك، إلا أن دوره لا يتعدى دور المقدمة لتحقق ذلك، وهو أشبه ما يكون بجهاز الهاتف الناقل للصوت بين متخابرين اثنين، فلولاه لم يسمع أحدهما صوت الآخر، إلا أن الذي يسمع الصوت ليس جهاز الهاتف بل الطرفان اللذان يقفان خلف الهاتف.

 

وكذلك الحال فيما نحن فيه، إذ يمكن القول، أن مركز الإدراك جهة أخرى غير البدن وهي ما يُعَبِّرُ عنها الفلاسفة الإلهيون بالروح، وهي موجود مجرد عن المادة ولا يخضع لقوانينها وضوابطها.

 

تجرد المُدْرِك والمُدْرَك:

وقد أقام الفلاسفة أدلة كثيرة على أن الإدراك يجري في جهة غير بدننا المادي، يطلق عليها اسم الروح، وهي مجردة عن المادة نكتفي بذكر السهل اليسير منها:

 

1 ـ يذهل أحدنا بعض الأحيان عن بدنه وآلامه التي يعاني منها، حينما يشغل نفسه بقضية مهمّة بالنسبة إليه كزيارة صديق عزيز عليه، وهكذا حينما يسرح الإنسان في تأمّله برؤية منظر طبيعي، فإن سمعه لا يدرك أحياناً الأصوات المرتفعة إلى جنب أذنيه... .

 

(151)


 

والسبب واضح وهو: أن الإنسان لا يتمثّل وجوده ببدنه المادي الترابي فقط، بل يوجد إلى جانبه موجود آخر لا مادي وهو الروح التي تعتبر مركز إحساسنا والمحل الذي يتحقق فيه إدراكنا.

 

2 ـ الأحلام المتمثلة بالأحداث التي يَراها النائم في منامه والتي تجد مصداقيتها في عالم اليقظة بتفاصيلها وأرقامها وجزئياتها، لا يمكن أن تجد لها تفسيراً مادياً ما لم نفترض وجود شيءٍ لا مادي إلى جانب البدن المادي، له قدرة على العلم بالمستقبل، وليس هو سوى الروح، لأنّ البدن لا يتسنى له الاطلاع إلا على الموارد التي تخضع لحواسه الخمس، والموجودة في الخارج بالفعل لا تلك التي توجد في المستقبل.

 

3 ـ إن ذهننا وخلايانا المخية المحدودة لا يمكنها استيعاب ما هو أكبر منها حجماً وأوسع منها مساحة، كإدراكنا في رؤيتنا لمنظر تتجاوز مساحته عشرات الكيلومترات، بلا نقيصة في مساحتهِ، فلابد وأن يكون مركز إدراكنا هذا في محل آخر كي يصلح أن يكون ظرفاً لمظروفها المُدرَك، وليس هو إلا روحنا التي بين جنبينا.

 

وهكذا اتضح أن المدْرِك لحقائق الأشياء، إنما هو الروح وهي غير البدن المادي، فهي مجردة عنه وعن قوانين المادة.

 

ومما تقدم يتضح كذلك أنّ الصور المدْرَكة مجرّدة عن المادة أيضاً، بحكم كونها نتاجا للروح وإدراكها.

 

(152)


فكِّر و أجب:

1 ـ ما هو مورد الخلاف بين الماديين والإلهيين فيما يرتبط بالإدراك؟

2 ـ ما هو دور المخ والأجهزة الحسية في عملية الإدراك؟ مَثّل لجوابك بمثال توضيحي.

3 ـ ما هو الخلط واللبس الذي وقع فيه الماديون فيما يتعلّق بالإدراك؟

4 ـ اذكر ما اعتمدناه من براهين على تجرّد المُدْرِك والمُدْرَك.

السابقالتالي

 

الفهرس