الأشكال الأربعة

قلنا: أن القياس الاقتراني لابد له من ثلاثة حدود: أوسط وأصغر وأكبر. ونضيف عليه هنا فنقول:

إن وضع الأوسط مع طرفيه في المقدمتين يختلف ففي الحملي قد يكون موضوعاً فيهما أو محمولاً فيهما أو موضوعاً في الصغرى ومحمولاً في الكبرى أو بالعكس.

فهذه أربع صور. وكل واحدة من هذه الصور تسمى (شكلاً). وكذا في الشرطي يكون تالياً ومقدماً.

فالشكل في اصطلاحهم ـ على هذا ـ هو «القياس الاقتراني باعتبار كيفية وضع الأوسط من الطرفين». ولنتكلم عن كل واحد من الأشكال الأربعة في الحملي ثم نتبعه بالاقتراني الشرطي.

الشكل الأول

وهو ما كان الأوسط فيه محمولاً في الصغرى موضوعاً في الكبرى. أي يكون وضع الحدين في المقدمتين مع الأوسط عين وضع أحدهما مع الآخر في النتيجة: فكما يكون الأصغر موضوعاً في النتيجة يكون موضوعاً في الصغرى وكما يكون الأكبر محمولاً في النتيجة يكون محمولاً في الكبرى.

ولهذا التفسير فائدة نريد أن نتوصل إليها. فإنه لأجل أن الأصغر وضعه في النتيجة عين وضعه في الصغرى وأن الأكبر وضعه في النتيجة عين وضعه في الكبرى كان هذا الشكل على مقتضى الطبع وبيّن الإنتاج بنفسه لا يحتاج إلى دليل وحجة بخلاف البواقي ولذا جعلوه أول الأشكال. وبه يستدل على باقيها.

شروطه:

لهذا الشكل شرطان:

1. (إيجاب الصغرى) إذ لو كانت سالبة فلا يعلم أن الحكم الواقع على الأوسط في الكبرى أيلاقي الأصغر في خارج الأوسط أم لا فيتحمل الأمران فلا ينتج الإيجاب ولا السلب كما نقول مثلاً:

لا شيء من الحجر بنبات وكل نبات نامٍ

فإنه لا ينتج الإيجاب: (كل حجر نام). ولو أبدلنا بالصغرى قولنا (لا شيء من الإنسان بنبات).

فإنه لا ينتج السلب: (لا شيء من الإنسان بنام). أما إذا كانت الصغرى موجبة فإن ما يقع على الأوسط في الكبرى لابد أن يقع على ما يقع عليه الأوسط في الصغرى.

2. (كلية الكبرى) لأنه لو كانت جزئية لجاز أن يكون البعض من الأوسط المحكوم عليه بالأكبر غير ما حكم به على الأصغر فلا يتعدى الحكم من الأكبر إلى الأصغر بتوسط الأوسط. وفي الحقيقة إن هذا الشرط راجع إلى (القاعدة الأولى) لأن الأوسط في الواقع على هذا الفرض غير متكرر؛ كما نقول مثلا:

كل ماء سائل وبعض السائل يلتهب بالنار

فإنه لا ينتج (بعض الماء يلتهب بالنار) لأن المقصود بالسائل الذي حكم به على الماء خصوص الحصة منه التي تلتقي مع الماء وهي غير الحصة من السائل الذي يلتهب بالنار وهو النفط مثلاً. فلم يتكرر الأوسط في المعنى وإن تكرر لفظاً.

هذه شروطه من ناحية الكم والكيف أما من ناحية الجهة فقد قيل إنه يشترط فيه (فعلية الصغرى). ولكنا أخذنا على أنفسنا ألا نبحث عن الموجهات لأن أبحاثها المطولة تضيع علينا كثيراً مما يجب أن نعلمه. وليس فيها كبير فائدة لنا.

ضروبه:

كل مقدمة من القياس في حد نفسها يجوز أن تكون واحدة من المحصورات الأربع، فإذا اقترنت الصور الأربع في الصغرى مع الأربع في الكبرى خرجت عندنا ست عشرة صورة للاقتران تحدث من ضرب أربعة في أربعة. وذلك في جميع الأشكال الأربعة.

والصورة من تأليف المقدمتين تسمى بثلاثة أسماء: (ضرب) و(اقتران) و(قرينة).

وهذه الاقترانات أو الضروب الستة عشر بعضها منتج فيسمى (قياساً). وبعضها غير منتج فيسمى (عقيماً). وبحسب الشرطين في الكم والكيف لهذا الشكل الأول تكون الضروب المنتجة أربعة فقط. أما البواقي فكلها عقيمة لأن الشرط الأول تسقط به ثمانية ضروب وهي حاصل ضرب السالبتين من الصغرى في الأربع من الكبرى، والشرط الثاني تسقط به أربعة حاصل ضرب الجزئيتين من الكبرى في الموجبتين من الصغرى فالباقي أربعة فقط.

وكل هذه الأربعة بيّنة الإنتاج ينتج كل واحد منها واحدة من المحصورات الأربع، فالمحصورات كلها تستخرج من أضرب هذا الشكل. ولذا سمي (كاملاً) و(فاضلاً). وقد رتبوا ضروبه على حسب ترتب المحصورات في نتائجه: فالأول ما ينتج الموجبة الكلية ثم ما ينتج السالبة الكلية ثم ما ينتج الموجبة الجزئية ثم ما ينتج السالبة الجزئية.

(الأول) من موجبتين كليتين ينتج موجبة كلية.

مثاله:

كل ب م

وكل م حـ

... كل ب حـ

(الثاني) من موجبة كلية وسالبة كلية ينتج سالبة كلية.

مثاله:

كل ب م

و لا م حـ

... لا ب حـ

(الثالث) من موجبة جزئية وموجبة كلية ينتج موجبة جزئية.

مثاله:

ع ب م

وكل م حـ

... ع ب حـ

(الرابع) من موجبة جزئية وسالبة كلية ينتج سالبة جزئية.

مثاله:

ع ب م

و لا م حـ

... س ب حـ

الشكل الثاني

وهو ما كان الوسط فيه محمولاً في المقدمتين معاً فيكون الأصغر فيه موضوعاً في الصغرى والنتيجة، ولكن الأكبر يختلف وضعه فإنه موضوع في الكبرى محمول في النتيجة. ومن هنا كان هذا الشكل بعيداً عن مقتضى الطبع غير بيّن الإنتاج يحتاج إلى الدليل على قياسيته. ولأجل أن الأصغر فيه متحد الوضع في النتيجة والصغرى موضوعاً فيهما كالشكل الأول؛ كان أقرب إلى مقتضى الطبع من باقي الأشكال الأخرى لأن الموضوع أقرب إلى الذهن.

شروطه:

للشكل الثاني شرطان أيضاً: اختلاف المقدمتين في الكيف وكلية الكبرى.

(الأول) الاختلاف في الكيف فإذا كانت إحداهما موجبة كانت الأخرى سالبة لأن هذا الشكل لا ينتج مع الاتفاق في الكيف لأن الطرفين الأصغر والأكبر قد يكونان متباينين ومع ذلك يشتركان في أن يحمل عليهما شيء واحد أو يشتركان في أن يسلب عنهما شيء آخر ثم قد يكونان متلاقيين ويشتركان أيضاً في أن يحمل عليهما أو يسلب عنهما شيء واحد فلا ينتج الإيجاب ولا السلب.

مثال ذلك:

الإنسان والفرس متباينان ويشتركان في حمل الحيوان عليهما وسلب الحجر عنهما فنقول:

أ. كل إنسان حيوان وكل فرس حيوان

ب. لا شيء من الإنسان بحجر ولا شيء من الفرس بحجر

والحق في النتيجة فيهما السلب. ثم الإنسان والناطق أيضاً يشتركان في حمل الحيوان عليهما وسلب الحجر عنهما فتبدل في المثالين بالفرس الناطق فيكون الحق في النتيجة فيهما الإيجاب.

أما إذا اختلف الحكمان في الصغرى والكبرى على وجه لا يصح جمعهما على شيء واحد وجب أن يكون المحكوم عليه في إحداهما غير المحكوم عليه في الأخرى. فيتباين الطرفان الأصغر والأكبر وتكون النسبة بينهما نسبة السلب فلذا تكون النتيجة في الشكل الثاني سالبة دائماً تتبع أخس المقدمتين.

(الشرط الثاني) كلية الكبرى لأنه لو كانت جزئية مع الاختلاف في الكيف لم يعلم حال الأصغر والأكبر متلاقيان أو متنافيان لأن الكبرى الجزئية مع الصغرى الكلية إذا اختلفتا في الكيف لا تدلان إلا على المنافاة بين الأصغر وبعض الأكبر المذكور في الكبرى. ولا تدلان على المنافاة بين الأصغر والبعض الآخر من الأكبر الذي لم يذكر كما لا تدلان على الملاقاة فيحصل الاختلاف.

مثال ذلك:

كل مجتر ذو ظلف وبعض الحيوان ليس بذي ظلف

فإنه لا ينتج السلب: (بعض المجتر ليس بحيوان). ولو أبدلنا بالأكبر كلمة طائر فإنه لا ينتج الإيجاب: (بعض المجتر طائر).

ضروبه:

بحسب الشرطين المذكورين في هذا الشكل تكون الضروب المنتجة منه أربعة فقط لأن الشرط الأول تسقط به ثمانية حاصل ضرب السالبتين من الصغرى في السالبتين من الكبرى فهذه أربعة وحاصل ضرب الموجتين في الموجبتين فهذه أربعة أخرى. والشرط الثاني تسقط به أربعة وهي السالبتان في الصغرى مع الموجبة الجزئية في الكبرى والموجبتان في الصغرى مع السالبة الجزئية في الكبرى.

فالباقي أربعة ضروب منتجة كلها يبرهن عليها بتوسط الشكل الأول كما سترى:

(الضرب الأول) من موجبة كلية وسالبة كلية ينتج سالبة كلية.

مثاله:

كل مجتر ذو ظلف

ولا شيء من الطائر بذي ظلف

... لا شيء من المجتر بطائر

ويبرهن عليه بعكس الكبرى بالعكس المستوي ثم ضم العكس إلى نفس الصغرى فيتألف من الضرب الثاني من الشكل الأول وينتج نفس النتيجة المطلوبة فيقال باستعمال الرموز:

المفروض ـ كل ب م و لا حـ م

المدعى أنه ينتج ـ ... لا ب حـ

(البرهان): نعكس الكبرى بالعكس المستوي إلى (لا م حـ) ونضمها إلى الصغرى فيحدث:

كل ب م. و لا م حـ (الضرب الثاني من الشكل الأول)

ينتج ... لا ب حـ (وهو المطلوب)

(الثاني) من سالبة كلية وموجبة كلية ينتج سالبة كلية.

مثاله:

لا شيء من الممكنات بدائم

وكل حق دائم

... لا شيء من الممكنات بحق

يبرهن عليه بعكس الصغرى ثم يجعلها كبرى وكبرى الأصل صغرى لها ثم بعكس النتيجة فيقال:

المفروض لا ب م. كل حـ م

المدعى ... لا ب حـ

البرهان:

إذا صدقت لا ب م

صدقت لا م ب (العكس المستوي)

فنضم هذا العكس إلى كبرى الأصل بجعله كبرى لها فيكون:

كل حـ م و لا م ب (الضرب الثاني من الأول)

... لا حـ ب

وتنعكس إلى لا ب حـ (وهو المطلوب)

(الثالث) من موجبة جزئية وسالبة كلية ينتج سالبة جزئية.

مثاله:

بعض المعدن ذهب

ولا شيء من الفضة بذهب

... بعض المعدن ليس بفضة

ويبرهن عليه بما برهن به على الضرب الأول فيقال:

المفروض ع ب م و لا حـ م

المدعى ... س ب حـ

البرهان: إذا صدقت لا حـ م (الكبرى)

صدقت لا م حـ (العكس المستوي)

وبضمه إلى الصغرى يحدث:

ع ب م و لا م حـ (الضرب الرابع من الأول)

... س ب حـ (وهو المطلوب)

(الرابع) من سالبة جزئية وموجبة كلية ينتج سالبة جزئية.

مثاله:

بعض الجسم ليس بمعدن

وكل ذهب معدن

... بعض الجسم ليس بذهب

ولا يبرهن عليه (بطريقة العكس) التي ذكرناها في الضروب الثلاثة لأن الصغرى سالبة جزئية لا تنعكس. وعكس الكبرى جزئية لا يلتئم منها ومن الصغرى قياس لأنه لا قياس من جزئيتين. فنفزع حينئذ للبرهان عليه إلى طريقة أخرى تسمى (طريقة الخلف) فيقال:

المفروض س ب م. وكل حـ م

المدعى ... س ب حـ

البرهان:

لو لم تصدق س ب حـ

لصدق نقيضها كل ب حـ (النتيجة)

فنجعل هذا النقيض صغرى لكبرى الأصل فيتألف قياس من الضرب الأول من الشكل الأول:

كل ب حـ . وكل حـ م

... كل ب م

فيكذب نقيض هذه النتيجة س ب م

وهو عين الصغرى المفروض صدقها

وهذا خلاف الفرض

فوجب صدق س ب حـ (وهو المطلوب)

تمرين

برهن على كل واحد من الضروب الثلاثة الأولى بطريقة الخلف التي برهنّا بها على الضرب الرابع.

 

الشكل الثالث

وهو ما كان الأوسط فيه موضوعا في المقدمتين معا فيكون الأكبر محمولا في الكبرى والنتيجة معا ولكن الأصغر يختلف وضعه فإنه محمول في الصغرى موضوع في النتيجة. ومن هنا كان هذا الشكل بعيدا عن مقتضى الطبع وأبعد من الشكل الثاني. لأن الاختلاف كان في موضوع النتيجة الذي هو أقرب إلى الذهن. وكان الاختلاف في الثاني في محمولها. ولأجل أن الأكبر فيه متحد الوضع في الكبرى والنتيجة كالشكل الأول كان أقرب من الرابع.

شروطه:

لهذا الشكل شرطان أيضاً: إيجاب الصغرى وكلية إحدى المقدمتين.

أما (الأول) فلأنه لو كانت الصغرى سالبة، فلا نعلم حال الأكبر المحمول على الأوسط بالسلب أو الإيجاب أيلاقي الأصغر الخارج عن الوسط أم يفارقه.

لأنه لو كانت الكبرى موجبة فإن الأوسط يباين الأصغر ويلاقي الأكبر. وشيء واحد قد يلاقي ويباين شيئين متلاقيين أو شيئين متباينين كالناطق يلاقي الحيوان ويباين الفرس وهما متلاقيان ويلاقي الحيوان ويباين الشجر وهما متباينان.

ولو كانت الكبرى سالبة أيضاً فإن الأوسط يباين الأصغر والأكبر معا. والشيء الواحد قد يباين شيئين متلاقيين وقد يباين شيئين متباينين كالذهب المباين للفرس والحيوان وهما متلاقيان ويباين الشجر والحيوان وهما متباينان. فإذا قيل:

أ. لا شيء من الناطق بفرس وكل ناطق حيوان

فإنه لا ينتج السلب. ولو وضعنا مكان فرس (شجر) فإنه لا ينتج الإيجاب.

ب. لا شيء من الذهب بفرس ولا شيء من الذهب بحيوان

فإنه لا ينتج السلب. ولو وضعنا مكان فرس (شجر) فإنه لا ينتج الإيجاب.

وأما (الثاني) وهو كلية إحدى المقدمتين فلأنه قد تقدم في القاعدة الثالثة من القواعد العامة للقياس أنه لا ينتج من جزئيتين. وليس هنا ما يقتضي اعتبار كلية خصوص إحدى المقدمتين.

ضروبه:

بحسب الشرطين المذكورين تكون الضروب المنتجة من هذا الشكل ستة فقط. لأن الشرط الأول تسقط به ثمانية ضروب كالشكل الأول. والشرط الثاني يسقط به ضربان: الجزئيتان الموجبتان، والجزئية الموجبة مع الجزئية السالبة، فالباقي ستة يحتاج كل منها إلى برهان. ونتائجها جميعا جزئية.

(الضرب الأول) من موجبتين كليتين ينتج موجبة جزئية.

مثاله:

كل ذهب معدن

وكل ذهب غالي الثمن

بعض المعدن غالي الثمن

ويبرهن عليه بعكس الصغرى ثم ضمها إلى كبرى الأصل فيكون من ثالث الشكل الأول لينتج المطلوب.

المفروض كل م ب وكل م حـ

المدعى ع ب حـ

البرهان:

إذا صدقت كل م ب

صدقت ع ب م (العكس المستوي)

فنضم العكس إلى كبرى الأصل ليكون

ع ب م وكل م حـ (ثالث الأول)

ع ب حـ (المطلوب)

ولا ينتج كلية لجواز أن يكون ب أعم من حـ ولو من وجه كالمثال.

(الثاني) من كليتين والكبرى سالبة ينتج سالبة جزئية.

مثاله:

كل ذهب معدن

ولا شيء من الذهب بفضة

... بعض المعدن ليس بفضة

ويبرهن عليه بعكس الصغرى كالأول فنقول:

المفروض كل م ب و لا م حـ

المدعى ... س ب حـ

البرهان: نعكس الصغرى فتكون (ع ب م) فنضمها إلى الكبرى فيحدث:

ع ب م و لا م حـ (رابع الأول)

.... س ب حـ (المطلوب)

(الثالث) من موجبتين والصغرى جزئية ينتج موجبة جزئية.

مثاله:

بعض الطائر أبيض

وكل طائر حيوان

... بعض الأبيض حيوان

البرهان: بعكس الصغرى كالأول فنقول:

المفروض ع م ب وكل م حـ

المدعى... ع ب حـ

البرهان: نعكس الصغرى إلى (ع ب م) ونضمها إلى الكبرى فيحدث:

ع ب م وكل م حـ (ثالث الأول)

ع ب حـ (المطلوب)

(الرابع) من موجبتين والكبرى جزئية ينتج موجبة جزئية.

مثاله:

كل طائر حيوان

بعض الطائر أبيض

بعض الحيوان أبيض

ويبرهن عليه بعكس الكبرى ثم جعلها صغرى وصغرى الأصل كبرى لها ثم بعكس النتيجة فنقول:

المفروض كل م ب وع م حـ

المدعى... ع ب حـ

البرهان: نعكس الكبرى إلى (ع حـ م) ونجعلها صغرى لصغرى الأصل فيحدث:

ع حـ م كل م ب (ثالث الأول)

ع حـ ب

وينعكس بالعكس المستوي إلى ع ب حـ (المطلوب)

(الخامس) من موجبة كلية وسالبة جزئية ينتج سالبة جزئية.

مثاله:

كل حيوان حساس

وبعض الحيوان ليس بإنسان

... بعض الحساس ليس بإنسان

ولا يبرهن عليه بطريق العكس لأن السالبة الجزئية لا تنعكس؛ والموجبة الكلية تنعكس إلى جزئية ولا قياس بين جزئيتين. فلذلك يبرهن عليه بالخلف

فنقول:

المفروض كل م ب و س م حـ

المدعى س ب حـ

البرهان: لو لم تصدق س ب حـ

لصدق نقيضها كل ب حـ

نجعله كبرى لصغرى الأصل فيحدث:

كل م ب وكل ب حـ (الأول من الأول)

كل م حـ

س م حـ وهو عين الكبرى الصادقة

فيكذب نقيضها

(هذا خلف) فيجب أن يصدق س ب حـ (المطلوب)

(السادس) من موجبة جزئية وسالبة كلية ينتج سالبة جزئية.

مثاله:

بعض الذهب معدن

ولا شيء من الذهب بحديد

... بعض المعدن ليس بحديد

ويبرهن عليه بعكس الصغرى ثم ضمه إلى كبرى الأصل ليكون من رابع الشكل الأول لينتج المطلوب.

المفروض ع م ب و لا م حـ

المدعى ... س ب حـ

البرهان: نعكس الصغرى إلى (ع ب م) فنضمه إلى الكبرى ليحدث:

ع ب م و لا م حـ (رابع الأول)

... س ب حـ (المطلوب)

تنبيهات

طريقة الخلف:

1. إن كلا من ضروب الشكل الثالث يمكن إقامة البرهان عليه بطريقة الخلف. كضروب الثاني.

و(الخلف) استدلال غير مباشر يبرهن به على كذب نقيض المطلوب. ليستدل به على صدق المطلوب. وهو في الأشكال خاصة يؤخذ نقيض النتيجة المطلوب إثباتها. فيقال لو لم تصدق لصدق نقيضها. وإذ فرض صدق النقيض يضم إلى إحدى المقدمتين المفروض صدقها. ليتألف من النقيض وهذه المقدمة ضرب من ضروب الشكل الأول. فينتج ما يناقض المقدمة الأخرى الصادقة بالفرض. هذا خلف. فلابد أن تكذب هذه النتيجة. وكذبها لابد أن ينشأ من كذب نقيض المطلوب. فيثبت صدق المطلوب. وقد تقدمت أمثلته.

وعلى الطالب أن يجرب استعماله في جميع الضروب شحذا لذهنه. وليلاحظ أية مقدمة يجب أن يختارها من القياس المفروض. ليلتئم من النقيض ومن المقدمة الضرب المنتج.

دليل الافتراض:

2. وقد يستدل بدليل (الافتراض) على إنتاج بعض الضروب الذي تكون إحدى مقدمتيه جزئية من هذا الشكل أو من الثاني. ولا بأس بشرحه تنويراً لأفكار الطلاب. وإن كانوا في غنى عنه بدليل العكس والخلف. وله مراحل ثلاث:

الأولى ـ (الفرض) وهو أن نفرض اسماً خاصاً للبعض الذي هو مورد الحكم في القضية الجزئية فنفرضه حرف (د). لأن في قولنا مثلاً: (بعض الحيوان ليس بإنسان) لابد أن يقصد في البعض شيء معين يصح سلب الإنسان عنه. مثل فرس وقرد وطائر ونحوها. فنصطلح على هذا الشيء المعين ونسميه (د) ففي مثل القضية: (بعض م ب) يكون (د) عبارة أخرى عن قولنا (بعض م).

الثانية ـ (استخراج قضيتين صادقتين بعد الفرض) فإنه بعد الفرض المذكور نستطيع أن نحصل على قضيتين صادقتين قطعا:

1. قضية موجبة كلية موضوعها الاسم المفروض (د) ومحمولها موضوع القضية الجزئية ففي المثال المتقدم تكون (كل د م) صادقة لأن (د) بعض م حسب الفرض والأعم يحمل على جميع أفراد الأخص قطعا.

2. قضية كلية: موجبة أو سالبة تبعا لكيف الجزئية موضوعها الاسم المفروض (د) ومحمولها محمول الجزئية ففي المثال تكون (كل د ب) صادقة لأن (د) هو البعض الذي هو كله (ب). وإذا كانت الجزئية سالبة مثل (س م ب) تكون (لا د ب) صادقة لأن (د) هو البعض المسلوب عنه (ب).

الثالثة ـ (تأليف الاقترانات المنتجة للمطلوب) لأنا بعد استخراج تلك القضيتين تزيد ثروة معلوماتنا فنستعملها في تأليف اقترانات نافعة منهما ومن المقدمتين للقياس المفروض صدقهما لاستخراج النتيجة المطلوب إثبات صدقها.

ولنجرب هذا الدليل بعد أن فهمنا مراحله في الاستدلال على الضرب الخامس من الشكل الثالث فنقول:

المفروض كل م ب و س م حـ (الخامس من الثالث)

المدعى ... س ب حـ

البرهان: بالافتراض

نفرض بعض م (في السالبة الجزئية س م حـ) الذي هو ليس حـ أنه (د) فنستخرج القضيتين الصادقتين:

(1) كل د م

(2) لا د حـ

ثم نأخذ القضية رقم (1). ونجعلها صغرى لصغرى الأصل فيحدث:

كل د م و كل م ب (أول الشكل الأول)

... كل د ب

ثم هذه النتيجة نجعلها صغرى للقضية رقم (2) فيحدث:

كل د ب و لا د حـ (ثاني الشكل الثالث)

... س ب حـ (وهو المطلوب)

ولنجربه ـ ثانيا ـ في الاستدلال على الضرب الرابع من الشكل الثاني فنقول:

المفروض س ب م و كل حـ م

المدعى ... س ب حـ

البرهان: بالافتراض

نفرض (بعض ب) الذي هو ليس م أنه (د) وذلك في السالبة الجزئية (س ب م) فنستخرج القضيتين الصادقتين:

(1) كل د ب

(2) لا د م

ثم نأخذ القضية رقم (2) ونجعلها صغرى لكبرى الأصل فيحدث:

لا د م و كل حـ م (ثاني الشكل الثاني)

... لا د حـ

ثم نعكس القضية رقم (1) إلى: ع ب د

ونضم هذا العكس إلى النتيجة الأخيرة ونجعله صغرى فيحدث:

ع ب د و لا د حـ (رابع الشكل الأول)

... س ب حـ (وهو المطلوب)

فرأيت أنا استعملنا ـ في الأثناء ـ العكس المستوي للقضية رقم (1) لأنه لولاه لما استطعنا أن نؤلف قياسا إلا من الشكل الثالث الذي هو متأخر عن الثاني. وكذلك نستعمل هذا العكس في دليل الافتراض على الضرب الثالث من الثاني.

وعلى الطالب أن يستعمل دليل الافتراض في غير ما ذكرنا من الضروب التي تكون إحدى مقدماتها جزئية لزيادة التمرين.

الرد:

3. ومن البراهين على إنتاج الأشكال الثلاثة عدا الأول (الرد) وهو تحويل الشكل إلى الشكل الأول: إما بتبديل المقدمتين في الشكل الرابع وإما بتحويل إحدى المقدمتين إلى عكسها المستوي، ففي الشكل الثاني تعكس الكبرى في بعض ضروبه القابلة للعكس، وفي الثالث تعكس الصغرى في بعض ضروبه القابلة للعكس كما سبق.. وفي بعض ضروبهما قد نحتاج إلى استعمال نقض المحمول أو عكس النقيض إذا لم نتمكن من العكس المستوي حتى نتوصل إلى الشكل الأول المنتج نفس النتيجة المطلوبة.

وعلى الطالب أن يطبق ذلك بدقة على جميع ضروب الشكلين لغرض التمرين.

الشكل الرابع

وهو ما كان الأوسط فيه موضوعا في الصغرى محمولا في الكبرى عكس الأول، فيكون وضع الأصغر والأكبر في النتيجة يخالف وضعهما في المقدمتين. ومن هنا كان هذا الشكل أبعد الجميع عن مقتضى الطبع غامض الإنتاج عن الذهن.

ولذا تركه جماعة من علماء المنطق في مؤلفاتهم واكتفوا بالثلاثة الأولى.

شروطه:

يشترط في إنتاج هذا الشكل الشروط الثلاثة العامة في كل شكل التي تقدم ذكرها في القواعد العامة.

وهي: ألا يتألف من سالبتين، ولا من جزئيتين، ولا من سالبة صغرى وجزئية كبرى. ويشترط أيضا فيه شرطان خاصان به:

1. ألا تكون إحدى مقدماته سالبة جزئية.

2. كلية الصغرى إذا كانت المقدمتان موجبتين فلو أن الصغرى كانت موجبة جزئية لما جاز أن تكون الكبرى موجبة بل يجب أن تكون سالبة كلية.

ضروبه:

بحسب الشروط الخمسة تكون الضروب المنتجة منه خمسة فقط: لأنه بالشرط الأول تسقط أربعة حاصل ضرب السالبتين في السالبتين. وبالثاني تسقط ثلاثة: الجزئيتان سواء كانتا موجبتين أو مختلفتين بالإيجاب والسلب. وبالثالث يسقط واحد: السالبة الكلية مع الموجبة الجزئية. وبالرابع ضربان: السالبة الجزئية صغرى أو كبرى مع الموجبة الكلية. وبالخامس ضرب واحد: الموجبة الجزئية الصغرى مع الموجبة الكلية الكبرى.

فالباقي خمسة ضروب نقيم عليها البرهان:

(الضرب الأول) من موجبتين كليتين ينتج موجبة جزئية.

مثاله:

كل إنسان حيوان

وكل ناطق إنسان

... بعض الحيوان ناطق

ويبرهن عليه بالرد بتبديل المقدمتين إحداهما في مكان الأخرى فيرتد إلى الشكل الأول ثم نعكس النتيجة ليحصل المطلوب فيقال.

المفروض كل م ب و كل حـ م

... ع ب حـ

البرهان: بالرد بتبديل المقدمتين فيحدث:

كل حـ م كل م ب (الأول من الأول)

... كل حـ ب

وينعكس إلى ع ب حـ (وهو المطلوب)

وإنما لا ينتج هذا الضرب كلية لجواز أن يكون الأصغر أعم من الأكبر كالمثال.

(الثاني) من موجبة كلية وموجبة جزئية ينتج موجبة جزئية.

مثاله:

كل إنسان حيوان

وبعض الولود إنسان

... بعض الحيوان ولود

ويبرهن عليه بالرد بتبديل المقدمتين ثم بعكس النتيجة ولا ينتج كليا لجواز عموم الأصغر.

(الثالث) من سالبة كلية وموجبة كلية ينتج سالبة كلية.

مثاله:

لا شيء من الممكن بدائم

وكل محل للحوادث ممكن

... لا شيء من الدائم بمحل للحوادث.

ويبرهن عليه أيضا بالرد بتبديل المقدمتين ثم بعكس النتيجة.

(الرابع) من موجبة كلية وسالبة كلية ينتج سالبة جزئية.

مثاله:

كل سائل يتبخر

ولا شيء من الحديد بسائل

... بعض ما يتبخر ليس بحديد

ولا يمكن البرهان عليه بالرد بتبديل المقدمتين لأن الشكل الأول لا ينتج من صغرى سالبة. ولكن يبرهن بعكس المقدمتين وتأليف قياس الشكل الأول من العكسين. لينتج المطلوب فيقال:

المفروض كل م ب و لا حـ م

المدعى ... س ب حـ

البرهان: نعكس المقدمتين إلى:

ع ب م لا م حـ (رابع الأول)

... س ب حـ (وهو المطلوب)

(الخامس) من موجبة جزئية وسالبة كلية ينتج سالبة جزئية.

مثاله:

بعض السائل يتبخر

لا شيء من الحديد بسائل

... بعض ما يتبخر ليس بحديد

وهذا أيضا لا يبرهن عليه بتبديل المقدمتين لعين السبب ويمكن أن يبرهن عليه بعكس المقدمتين كالسابق بلا فرق.

تمرينات

1. برهن على الضرب الثاني ثم الخامس من الشكل الرابع بدليل الافتراض.

2. برهن على الضرب الثالث ثم الرابع من الشكل الرابع بدليل الخلف.

3. برهن على الضرب الرابع من الشكل الثاني بطريقة (الرد) ولكن بأخذ منقوضة محمول كل من المقدمتين ثم أخذ العكس المستوي لمنقوضة الكبرى لينتج المطلوب.

4. برهن على الضرب الخامس من الشكل الثالث بطريقة (الرد). ولكن بأخذ منقوضة محمول كل من المقدمتين ثم أخذ العكس المستوي لمنقوضة الكبرى لتأليف قياس من الشكل الأول ثم عكس نتيجة هذا القياس لعكس النقيض الموافق ليحصل المطلوب.

5. برهن على الضرب الأول ثم الثاني من الشكل الثاني بطريقة (الرد) ولكن بأخذ منقوضة محمول كل من المقدمتين: وعليك الباقي من البرهان فإنك ستحتاج إلى استخدام العكس المستوي في كل من الضربين لتصل إلى المطلوب ويتبع ذلك حسن التفاتك ومهارتك في موقع استعماله.

6. جرب أن تبرهن على الضرب الثالث من الشكل الثاني بطريقة الرد بأخذ منقوضة المحمول لكل من المقدمتين. وإذا لم تتمكن من الوصول إلى النتيجة فبيّن السر في ذلك.

7. برهن على ضربين من ضروب الثالث بطريقة الخلف واختر منها ما شئت.

(يحسن بالطالب أن يضع بين يديه أمثلة واقعية للضروب التي يبرهن عليها في جميع هذه التمرينات ليتضح له الأمر بالمثال أكثر).

السابقالتالي

 

الفهرس