الاستقراء

تعريفه:

الاستقراء: هو تتبع الجزئيات للحصول على حكم كلي (قاعدة عامة).

شرح التعريف:

نعني بذلك هو أن نتتبع جزئيات نوع معين لأجل أن نعرف الحكم الكلي الذي ينطبق عليها، فنؤلف منه قاعدة عامة.

مثل: أن نستقري ونتتبع استعمال (الفاعل) في مختلف الجمل في اللغة العربية لنعرف حكمه الإعرابي، فنرى أن الكلمة التي تقع فاعلا في مختلف الجمل التي استقرأناها تكون مرفوعة، ننتهي إلى النتيجة التالية: وهي: أن الفاعل في لغة العرب مرفوع، فنؤلف من هذه النتيجة قاعدة عامة وهي: (كل فاعل مرفوع).

أقسامه:

ينقسم الاستقراء إلى قسمين هما: الاستقراء التام والاستقراء الناقص.

1 - الاستقراء التام:

هو تتبع جميع جزئيات الكلي المطلوب معرفة حكمه. كما لو أردنا أن نعرف: هل أن من بين الطلبة الدينيين في النجف الأشرف طلاباً أفريقيين. فإننا نستقري كل طالب موجود في النجف استقراءً كاملا حتى ننتهي إلى نتيجة. هذا النوع من الاستقراء الكامل الشامل لجميع جزئيات الكلي والانتهاء إلى النتيجة منه يسمى بـ(الاستقراء التام)

2 - الاستقراء الناقص:

وهو تتبع بعض جزئيات الكلي المطلوب معرفة حكمه. كما لو أراد العالم الكيميائي معرفة مدى تأثير الضغط على الغازات، فإنه يجري التجربة على بعض الغازات، وعندما يرى أنه كلما زاد الضغط على هذه الجزئيات (موضوع التجربة) قلّ حجمها وكلما نقص الضغط زاد حجمها بنسبة معينة تحت درجة حرارة معينة، يتخذ من هذه الظاهرة الطبيعية التي لاحظها أثناء التجربة حكما عاما لجميع الغازات، فيضع – على ضوئه – قاعدته العامة: (كل غاز إذا زاد الضغط عليه قلّ حجمه وإذا نقص الضغط عنه زاد حجمه بنسبة معينة تحت درجة حرارة معينة).

وهكذا العالم الرياضي متى أراد معرفة: هل أن درجة زاويتي القاعدة في المثلث متساوي الساقين متساويتان أو لا؟

فإنه يقيم البرهان على مثال واحد أو مثالين، ومنه يعّمم الحكم إلى جميع جزئيات المثلث متساوي الساقين، فيضع القاعدة العامة التالية: (كل مثلث متساوي الساقين، زاويتا القاعدة فيه متساويتان).

أقسام الاستقراء الناقص:

وينقسم الاستقراء الناقص إلى قسمين أيضا هما: الاستقراء المعلل والاستقراء غير المعلل.

1 - الاستقراء المعلل:

هو ما يعّمم فيه الحكم على أساس من الإيمان بوجود علّة الحكم في كلّ جزئياته.

كما في مثالي الغاز والمثلث المتقدمين، فإن العالم الكيميائي إنما عمم الحكم إلى جميع جزئيات الغاز التي شاهدها أثناء التجربة هي نوع من أنواع التغيرات الطبيعية، ويؤمن أيضا بأن كلّ تغيير طبيعي لابد وأن يستند إلى علة، وبملاحظة تكرار التجربة على أنواع مختلفة من الغازات انتهى إلى أن زيادة الضغط هي علة قلّة الحجم، و بما أنه يؤمن أيضا بأن الغازات على اختلاف أنواعها ذات طبيعة واحدة من حيث هي غازات، وضع قاعدته العامة.

فعلى أساس من إيمانه بوحدة العلة وبوحدة الطبيعة في جميع الغازات، وضع قاعدته العامة المذكورة في أعلاه.

وهكذا العالم الرياضي، ومثلهما غيرهما من العلماء في مختلف حقول العلوم الرياضية والطبيعية والاجتماعية وغيرها.

2 - الاستقراء غير المعلل:

وهو الذي لا يعتمد في تعميم أحكامه على التعليل. كما هو الأمر في أغلب الإحصائيات والتصنيفات العلمية، مثاله: (الحكم على كل من تختم بخاتم عقيق بالإيمان).

الخلاصة:

الاستقراء

كيفية الاستدلال بالاستقراء:

للاستقراء مراحل يمر بها المستقري عند قيامه بعملية الاستدلال الاستقرائي تسمى بـ (مراحل الاستقراء) وتتلخص فيما يلي:

1 - مرحلة الملاحظة والتجربة.

2 - مرحلة الفرض.

3 - مرحلة القانون.

أولا - مرحلة الملاحظة والتجربة

وهي مرحلة توجيه المستقري فكره نحو المطلوب لمعرفة حقيقته أو تبيان معناه.

والملاحظة: هي مشاهدة المطلوب في الطبيعة على ما هو عليه.

والتجربة: هي مشاهدة المطلوب في ظروف يهيئها المستقري حسبما يريد.

خطوات العملية:

وخطوات العملية العقلية التي يتبعها المستقري في هذه المرحلة تتخلص بالآتي:

1 - تركيز الانتباه حول المطلوب وحصره به فقط.

2 - فهم معنى الأثر الذي تنقله الحواس إلى العقل بسبب عملية تركيز الانتباه وتفسيره على ضوء خبرات العقل المخزونة فيه.

3 - استحصال النتائج في ضوء عملية الفهم والتفسير وما انتهى إليه.

الفروق بين الملاحظة والتجربة:

تفترق التجربة عن الملاحظة بمزايا أهمها ما يلي:

(1) أن التجربة تدور في نطاق المطلوب فقط بسبب الظروف التي يهيئها المستقري لذلك بعكس الملاحظة فإنها قد لا يتأتى فيها ذلك.

فمثلا: إذا كان الشيء المشاهد مما يقتدر على عزله عمّا سواه إنما يعزل بالتجربة لا بالملاحظة وذلك كتجربة معرفة تأثير الجاذبية الأرضية على الأجسام الساقطة داخل نواقيس مفرغة من الهواء.

(2) بالتجربة يستطيع العلماء أن يوجدوا ظواهر طبيعية ومركبات مادية قد لا توجد في الطبيعة أو لا يمكن مشاهدتها عن طريق الملاحظة، كالمركبات الكيميائية المستخدمة في الطب والصباغة وأدوات الحرب.

(3) أن التجربة أسرع في الوصول إلى النتيجة من الملاحظة.

(4) في التجربة يستطيع العلماء تقدير العوامل التي تساعد على وجود الظواهر الطبيعية تقديراً كميا دقيقا فيزيدون فيها أو ينقصون حسبما تتطلبه الوضعية.

مجال الملاحظة:

يرجع إلى الملاحظة في المجالات التالية:

1 - فيما يستحيل إجراء التجربة عليه، كحركة الفلك والمد والجزر، وإعادة الحياة إلى الجسم الميت.

2 - فيما يحدث ضرراً بليغا على الإنسان كمحاولة معرفة تأثير الغازات السامة على الإنسان، أو معرفة ما ينجم عن إتلاف بعض خلايا مخ الإنسان.

3 - فيما يتطلب نفقات كبيرة تصرف على التجربة لا تتناسب وفائدتها العلمية.

شروط المرحلة:

يشترط في القيام بالملاحظة أو إجراء التجربة ما يلي:

(1) تركيز الانتباه وحصر الملاحظة أو التجربة في المطلوب دون ما عداه.

(2) الدقة والضبط.

(3) تسجيل الظاهرة المشاهدة.

(4) تكرار العملية إلى القدر الذي ينتهي إلى الاطمئنان بنجاحها.

ثانيا - مرحلة الفرض

بعد أن ينتهي المستقري من مرحلة الملاحظة والتجربة، وذلك عندما تتوفر لديه الأمثلة الكافية حول المطلوب، ينتقل إلى المرحلة الثانية من الاستدلال بالاستقراء وهي مرحلة الفرض.

والفرض: هو الرأي الذي يضعه المستقري لتفسير أسباب الظاهرة المشاهدة أو آثارها على سبيل التخمين والظن.

فالفرض – في واقعه – تفسير مؤقت يفترضه المستقري بغية التوصل عن طريق التأكد من صحته إلى القانون أو القاعدة العامة المطلوبة.

شروط المرحلة:

لا يعتبر الفرض فرضاً علمياً إلا إذا توفر على الشروط التالية:

1 - ألا يتعارض الفرض والقوانين العلمية الثابتة.

2 - أن يكون الفرض قضية قابلة للبرهنة على صحتها أو فسادها.

3 - أن يكون الفرض قضية قابلة للتطبيق على جميع الجزئيات المشاهدة.           

إثبات الفرض:

لاختبار صحة الفرض العلمي والتأكد منها وضعت قواعد عملية وهي:

الطريقة القياسية والطرق الخمس التي وضعها (جون ستيورات مل)، والتي تسمى بـ (طرق الاستقراء) أو (قوانين الاستقراء) وهي:

1 - الطريقة القياسية:

وهي أن يفترض المستقري وجود (علاقة علية) بين الأشياء موضوعة البحث، ثم يستنتج من ذلك الافتراض نتائج، ويبحث عما يؤيد صحة هذه النتائج فإن عثر على ذلك تيقن صحة فرضه، وإن لم يعثر على ما يؤيد تلك النتائج عدل عن فرضه إلى فرض آخر.

ويمكن أن نستخدم هذه الطريقة لإثبات مختلف الفروض العلمية وخاصة في العلوم الاجتماعية والعلوم التاريخية وعلم طبقات الأرض وعلم الفلك.

وباستخدام هذه الطريقة توصل علماء الفلك إلى معرفة حركة الأفلاك وحركة الأرض حول الشمس وكروية الأرض وحركة المدّ والجزر.

وبهذه الطريقة أيضا يعلل علماء طبقات الأرض الأسباب التي أدت إلى حدوث التغيرات في القشرة الأرضية.

وهكذا بالنسبة إلى الكثير من الحوادث التاريخية والتغيرات الاجتماعية.

2 - الطرق الخمس:

أ - طريقة التلازم في الوقوع:

وتقوم على الإيمان بتلازم العلة والمعلول واتفاقهما في الوجود والوقوع، بمعنى أنه متى وجدت العلة وجد المعلول.

فالمستقري - هنا - يدرس أكثر من حالة من الحالات التي تقع فيها الظاهرة، ثم يقوم بتحليل ظروف كل حالة مستقلة عن الحالات الأخرى، متى ما لاحظ اشتراك جميع الحالات في أمر واحد، استنتج أن من الراجح أن يكون ذلك الأمر المشترك بين جميع الحالات هو علة حدوث الظاهرة.

كإيمان عالم النبات بأن مادة "الكلوروفيل" هي علة خضرة أوراق البرسيم لوجود الكلوروفيل في جميع الأوراق التي فحصها.

ب - طريقة التلازم في التخلف:

وتقوم على الإيمان بتلازم العلة والمعلول في العدم، بمعنى أنه متى عدمت العلة عدم المعلول.

والمستقري - هنا - يدرس حالتين تقع الظاهرة في إحداهما ولا تقع في الأخرى، ويحلل جميع ظروف الحالتين، فإن انتهى إلى أن الحالتين متفقتان في كل شيء سوى أمر واحد، ورأى أن هذا الأمر الواحد كان موجودا في الحالة التي وقعت فيها الظاهرة وغير موجود في الأخرى، استنتج أن من الراجح أن يكون هذا الأمر الموجود في حالة والمفقود في أخرى هو علة وجود الظاهرة.

وبهذه الطريقة يستنتج – مثلا – أن الأوكسجين علة في الاحتراق لأن عدم وجوده يسبب امتناع الاحتراق، وأن الهواء علة في سماع الأصوات لأن عدم وجوده يستحيل سماع الأصوات.

ج - طريقة التلازم في الوقوع والتخلف:

وتقوم على الإيمان بأن العلة إذا وجدت وجد المعلول، وإذا عدمت عدم المعلول.

و المستقري – هنا – يهتدي إلى علة الظاهرة بوجود الظاهرة عند وجود عنصر معّين مشترك بين حالتين، وبعدم وجود الظاهرة عند عدم وجود ذلك العنصر المشترك، فإنه يستنتج أن من الراجح أن يكون هذا العنصر المشترك هو علة وجود الظاهرة، كما لو لوحظ أن ظاهرة (ضعف التكوين العلمي) منتشرة في مدارس متعددة تشترك في نظام تعليمي خاص، وغير منتشرة في مدارس أخرى متعددة مشتركة في عدم أخذها بذلك النظام الخاص.

فإن المستقري – هنا – يستنتج أن من الراجح أن تكون على ضعف التكوين العلمي هو النظام التعليمي الخاص.

د - طريقة التلازم في التغير:

وتقوم على الإيمان بأن أي تغير يحدث في العلة لابد وأن يحدث في المعلول.

وبهذه الطريقة انتهى إلى معرفة حركة المد والجزر معلولة لجذب الشمس والقمر إلى الأرض، وذلك لأن تغير المد والجزر يتبع بانتظام حركة الشمس والقمر طول السنة.

وانتهى بسببها أيضا إلى معرفة أن حجم الغاز والضغط الواقع عليه يتناسبان تناسبا عكسيا، وإلى معرفة تحديد العلاقة بين العرض والطلب في الأسواق التجارية.

هـ - طريقة البواقي:

وتقوم على الإيمان بأن علة الشيء لا تكون علة لشيء آخر يختلف عنه.

والمستقري – هنا – يلاحظ فيما إذا رأى علتين لمعلولين مختلفين، وعلم بأن علة معينة من العلتين هي علة لمعلول معين من المعلولين، استنتج أن من الراجح أن تكون العلة الباقية هي علة المعلول الباقي.

وبهذه الطريقة اهتدى (ليفرييه) إلى اكتشاف الكوكب (نبتون) وذلك حينما وجد انحرافا في مدار الكوكب (يورانوس) ونسب ذلك الانحراف إلى وجود كوكب آخر قريب منه، لأن الظواهر الفلكية الأخرى المتصلة بالكوكب (يورانوس) معروفة لديه سوى الظاهرة الباقية وهي ظاهرة انحراف مدار (يورانوس) فإذن من الراجح أن تكون علتها هي وجود كوكب آخر قريب منه.

ثالثا - مرحلة القانون

وهي المرحلة الأخيرة التي ينتهي إليها المستقري ذلك بعد أن تثبت لديه صحة الفرض الذي افترضه، وينتقل إلى وضع القاعدة العامة الثابتة والتي تسمى بـ (القانون).

الخلاصة:

والخطوات التي تتبع في طريقة الاستدلال بالاستقراء هي:

1 - تعيين المطلوب.

2 - دراسة الجزئيات.

3 - استخراج النتيجة.

4 - وضع القاعدة العامة.

تنبيه:

قد تطلق كلمة (نظرية) في العلوم على (الفرض) كما يقال (نظرية التطور) و(نظرية الجاذبية).

وقد تطلق على (القانون) كما يقال (نظرية العرض والطلب) و(نظرية أرخميدس في الأجسام الطافية).

إلا أنه غالباً ما تستعمل كلمة (نظرية) ويراد منها (القانون).

أهمية الاستقراء:

للاستقراء أهمية كبرى في مناهج البحوث العلمية حيث يتوقف عليه تأليف القواعد العلمية العامة، والتوصل إليها. فعالم الفيزياء لا يستطيع أن يتوصل إلى قواعد علم الفيزياء حول الظاهرة الطبيعية ما لم يدرس مختلف جزئيات كل ظاهرة من تلك الظواهر التي يحاول إعطاء قواعد عامة حولها. وكذلك عالم اللغة العربية لا يستطيع أن يعطي قواعد عامة في اللغة العربية ما لم يستقري،  ويدرس مختلف المفردات والجمل في شتى استعمالات العرب اللفظية.

وهكذا في كل علم من العلوم الأخرى.

فالاستقراء هو الذي يزودنا بالقواعد العامة التي نستعملها في التطبيقات العلمية عن طريق القياس لمعرفة أحكام الجزئيات.

وفي ضوئه: نعرف أيضا مدى علاقة الاستقراء بالقياس.

تمرينات

1 - ما هي خطوات مرحلة الملاحظة والتجربة؟

2 - ما هي الفروق بين الملاحظة والتجربة؟

3 - ماذا نعني بمرحلة الفرض؟

4 - ما هي الطرق الخمسة التي وضعها (جون ستيورات مل) وأين تستخدم؟

5 - ما هي الخطوات التي تتبع في الاستدلال بالاستقراء؟

6 - ما علاقة الاستقراء بالقياس؟

السابقالتالي

 

الفهرس