الكلِّي والجزئي

وهو من أهم الأبحاث المنطقيَّة حيث تبتني عليه كثير من مسائله الآتية. ويتعلَّق بالتصورات بالأصالة والتصديقات بالتبع، لأنَّ التصديق يتبع التصور كما مرَّ.

ينقسم العلم الحصولي (المفهوم) إلى قسمين:

مفهومٌ جزئيٌّ ومفهومٌ كلِّي.

الجزئي

عندما يتصوَّر الإنسان الأشياء مثل: هذا الكتاب، هذا القلم، المدينة المنوَّرة، نهر النيل، ابن أحمد (وأحمد لم يتزوَّج بعدُ). يرى بأنَّها تصوراتٌ لا يمكن أن ينسبها إلا إلى تلك الأمور ولا تتعدَّى إلى غيرها أصلاً فلا تنطبق إلاّ على ذلك الموجود. ولا يسأل عنها بـ كم؟ أو أيّها؟ وهي التِّي تسمّى بالجزئي. فهو إذاً:

«المفهوم الذي يمتنع صدقه على أكثر من واحد ولو بالفرض» أو «المفهوم الذي يمتنع فرض صدقه على كثيرين»

تنبيه

رغم أنَّه ليس للجزئي إلا مصداق واحد إلا أنَّه ربَّما يكون له أجزاءٌ كثيرةٌ، فاشتماله على أجزاء كثيرة لا يجعله كلياً، بل يبقى على ما هو عليه من الجزئية، وهناك فرق بين الجزء والجزئي والكل والكلِّي سنشرحه فيما بعد.

الكلِّي

ولكن الإنسان إذا أدرك جزئيات متعدِّدة، فقاس بعضها ببعض وعلم باشتراكها في أمرٍ أو أمورٍ، فانتزع منها أحد تلك الأمور - مجردةً عن كافة الخصوصيات الفردية - فهذا المفهوم المشترك هو مفهوم كلِّي ينطبق على جميع تلك المصاديق.

تعريف الكلِّي:

«هو المفهوم الذي لا يمتنع صدقه على كثيرين ولو بالفرض» أو «المفهوم الذي لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين».

مثل: مفهوم الإنسان - الفرس - الجلوس - العالم - النائم في الدار - المخلص في عمله - جبلٌ من نور.

فلو تأملت فيها لرأيت أنَّها تصوراتٌ يمكن أن تنسبها إلى تلك الأمور وتتعدَّى إلى غيرها من المصاديق ولهذا يصح السؤال عنها بكم؟ أو أيّها؟

كيفيَّة تصوُّر الكلِّي

إنَّ من عجائب الذهن المُحيِّر للعقول هو تصور الكلِّي.

والسر في ذلك: أنَّ الذهن يواجه الأشياء بنحو جزئي فعندما ينظر إلى شيءٍ يراه ضمن نطاقه المحدود وظروفه الخاصة المحيطة به من زمان ومكان وسائر ملابساته فعندما ينظر إلى العدد مثلاً، يراه ضمن شيء معدود، فالحواس هي التي تنقل التصورات الجزئية إلى العقل ثم يصنع الذهن من تلك التصورات الجزئية، مفهوماً كليّاً لا يتقيد بزمانٍ ولا مكانٍ، فرغم أنه غير مبهم وغير مردد، بل هو واضحٌ لا غبارَ عليه، ولكنَّه ينطبق على أَزمنة غير متناهية وأمكنة غير محدودة، فالإنسان لتصديقه بوجود تلك الأمور صار عالماً، وذلك لأنَّه تمكَّن من درك القواعد والضوابط السارية على الأمور الذهنية المنطبقة على جميع المصاديق مهما وجدت وأينما وجدت وكيفما وجدت.

وأمّا كيف حصلت هذه الكلِّيات في الذهن؟

يقول صدر المتألهين قدِّس سرُّه:

«إن الإنسان يمتلك نشآت ثلاث:

أ: نشأة قوة الخيال.   ب: نشأة قوة الحواس.   ج: نشأة قوة العقل.

فنشأة الحس هي التِّي أوجدت الجزئيات وعندما ينتقل ذلك الجزئي إلى عالم الخيال يكون له شكل آخر.

وأمّا العقل فهو الذي يرفع الجزئيَّ ويعلو مستواه فيتكامل ويترفَّع فينقلب كلياًّ، فالكليَّة ليست تنقيص للشيء كما توَّهم البعض بل هو تكامل وترَق للشيء

من هذا المنطلق صار إدراكُ الكلِّيات دليلاً على رشد الإنسان وكماله وعلوِّ شأنه، لأنَّ سائر الحيوانات لا تتمكن من خلق الكلِّيات وإدراكها أبداً».

تنبيهات

الأول: ولو بالفرض

إنه ليس من الضروري أن تكون أفراد الكلِّي موجودةً في الخارج فعلاً، بل ربَّما يتصوَّر الإنسان مفهوماً كلياً ليس له وجود في خارج الذهن، كمفهوم جبلٍ من نور بل حتَّى مفهوم اجتماع النقيضين الذي هو كلِّي لا مصداق له في الخارج أصلا.

ولكن هل له مصداقٌ في الذهن؟

نعم: له تحقُّق في الذهن وذلك في مرحلةٍ من مراحل الذهن وهي مرحلة الفرض وفي هذه المرحلة للإنسان أن يتصور أيَّ شيء أراد حتَّى الأمور المستحيلة، فيفرض اجتماع النقيضين ثمَّ يحكم عليه بالاستحالة وأيضاً يفرض شريكاً لله تعالى ويحكم بأنَّ وجوده محال وهكذا، ولم يحصل ذلك إلاّ لأنَّ أفق الذهن واسع ونطاقه شاملٌ.

وهذا يشمل تصوُّر الجزئيّات أيضاً فله أن يتصوَّر ابناً لأحمد رغم أنَّه لم يتزوَّج أو يتصوَّر اجتماع النور والظلمة في محلٍّ خاص من جهة واحدة وفي زمان واحد.

هذا:

وربما يكون للمفهوم الكلي مصداق واحد فقط، وإن كان لا يمنع العقل من فرض أفرادٍ كثيرةٍ له، وذلك مثل مفهوم واجب الوجود الذي قد ثبت بالدليل العقلي أنَّه متعيَّن في الباري جلَّ شأنه ولا يمكن أن يتعدَّد.

وعلى ضوء ذلك قلنا في تعريف الكلي:

«هو المفهوم الذي لا يمتنع صدقه على كثيرين ولو بالفرض» أو «المفهوم الذي لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين».

وفي تعريف الجزئي:

«المفهوم الذي يمتنع صدقه على أكثر من واحد ولو بالفرض» أو «المفهوم الذي يمتنع فرض صدقه على كثيرين».

الثاني: الفرق بين الكلي والكل والجزئي والجزء

إنَّ بين الكل والجزء والكلِّي والجزئي فروقاً هي:

1 - الكل من حيث هو كلّ موجودٌ في الخارج والعين، وأمّا الكلِّي من حيث هو كلِّي لا وجودَ له في الخارج إنّما هو موجود في الذهن.

2 - الكل يعدّ بأجزائه والكلِّي لا يعد بجزئياته. فيقال مثلاً الورق والخط والغلاف كوَّنت الكتاب حيث أنَّ لكلٍ منها دور في تكوينه ولا يقال زيد وحسن وعلي يكوِّنون الإنسان، بل حتَّى لو انعدموا جميعاً ولم يبق إلا فردٌ واحد منه بل حتّى لو انعدم هذا الفرد أيضاً، فالإنسان باق على ما هو عليه، غاية ما هناك أنَّه لا فرد له في العين والخارج ولا ضير في ذلك كما مرَّ.

3 - مفهوم الكلّ ليس هو تمام حقيقة الجزء (فالحجرةُ "الكل" حجرةٌ والحائط "الجزء" حائطٌ وهما مفهومان مختلفان).

وأمّا مفهوم الكلِّي فإنَّها تمام حقيقة الجزئي (فمفهوم الإنسان هو مفهوم عليٍّ بعينه لأنَّ عليّاً إنسان بالحقيقة والتمام).

4 - الكلّ لا يكون كلاًّ بكلّ جزء منه، بل ينبغي في تكوينه اجتماع جميع أجزائه. وأمّا الكلِّي فهو كلِّي بكل جزئي منه وحده، فالإنسان كلِّي بزيدٍ وحده ولهذا يحمل عليه فيقال: زيدٌ إنسانٌ.

5 - أجزاء الكل محصورة متناهية وجزئيات الكلِّي غير متناهية.

6 - الكلِّي مقوِّمٌ للجزئي والكل متقومٌ بالجزء فالارتباط بين الكلِّي والجزئي، ارتباطٌ معكوس، بمعنى أن الكلِّي جزء للجزئي والجزئي كلٌّ للكلي ومن هنا يقال للكلِّي (كلِّي) أي أنَّه منسوب إلى الكل فكلُّه جزئي له. ويقال للجزئي (جزئي) أي أنَّه منسوب إلى الجزء لأنَّ جزءه هو ذلك الكلِّي.

وللتوضيح نقول:

عند ملاحظة الكلِّ والجزء:

فرغم كون الإنسان جزءاً لزيدٍ لأنَّ زيداً هو (إنسان + مميزاته الفرديَّة) ولهذا كان عمروٌ إنساناً أيضاً وعليٌّ إنساناً (فالإنسان جزءٌ مشترك بينهم).

ورغم كون زيدٍ كلَّ الإنسان (حيث لا يشذُّ عنه شيء من الإنسانية بل هو إنسان تامّ) فيقال زيدٌ إنسان.

ولكن عند ملاحظة الكلِّي والجزئي:

نُلقي النظرَ إلى الإنسان نراه كلّياً بالنسبة إلى أفراده الذي من جملتهم هو زيدٌ، حيث يُحمل عليه ويقال: زيدٌ إنسان فإذاً قد نُسبَ الجزء (الإنسان) إلى الكلِّ (زيدٍ) بياء النسبة فصار كليّاً بالنسبة إلى كلِّه، وكلُّه (زيدٌ) جزئيٌّ له وذلك حيث نسب إلى جزئه (الإنسان) تأمَّلْ ! تَعرِفْ.

الثالث: إنًّ الإنسان يتعامل مع الجزئيات في أموره المتعارفة، فيقول: عليٌّ ذهب، حسنٌ جاء، هذا المكان مزدحم وهذا الجبل مرتفع. وأمّا عندما يدخل في ساحة العلم فلا يتعامل إلا بالكلِّيات والقوانين العامَّة، فيقول: (المثلث زواياه تساوي قائمتين)، (الإنسان يمتلك الغريزة والعقل)، (للأشجار أهميَّة في الحفاظ على البيئة)، (الماء يتكوَّن من عنصري الهيدروجين والأكسيجين).

تمرينات

1 - لماذا يختص بحث الكلِّي بباب التصوُّر بالأصالة ويشمل باب التصديق بالتبع؟

2 - لماذا لا يمكن السؤال بكم وأيُّها بالنسبة إلى الجزئيّات؟

3 - عرِّف الجزئي؟ واذكر أمثلة له؟

4 - عرِّف الكلِّي؟ واذكر أمثلة له؟

5 - كيف تنتقل الأشياء الخارجية إلى عقل الإنسان؟

6 - كيف يصل الإنسان إلى مستوى العلم؟

7 - ما هي النشآت الثلاث للإنسان؟

8 - ما هو دور الحسّ؟

9 - هل الخيال يتعامل مع أشياء أخرى غير الأشياء التي تلقَّاها الحس؟ ولماذا؟

10 - ما الفرق بين المعلومات العقلية والمعلومات الحسيَّة والخيالية؟

11 - هل إدراك الكلِّيات هو حدوث النقص في المُدرَكات الذهنية، أم هو ناشئ من كمال العقل؟ ولماذا؟

12 - هل الحيوانات الأخرى غير الإنسان تدرك الكلِّيات؟ فما هو إذاً مجال فهمها؟

13 - هل يمكن تصوُّر كلِّي لا مصداق له في الخارج أصلاً؟ فما هو الدليل على كلِّيته إذاً؟ اذكر مثال لذلك؟

14 - ماذا يعني المصداق الذهني؟ وما هو الفرق بينه وبين الفرض الذهني؟

15 - كيف استطاع الإنسان أن يفرض المحالات العقليَّة؟

16 - لماذا أضيفت كلمةُ (ولو بالفرض) على تعريف الكلِّي والجزئي؟

17 - مفهوم واجب الوجود هل هو كلِّي أم جزئي؟

18 - هل الكلِّي موجودٌ في الخارج والعين؟ لماذا؟

19 - هل يمكنك أن تعرف السرَّ في عدم تناهي جزئيّات الكلِّي؟ اذكره.

20 - ما هو الفرق بين الكلّ والكلِّي وبين الجزء والجزئي؟

21 - ما هو دور العلوم الجزئيَّة في معرفة الكلِّيات؟

22 - عيِّن الجزئي من الكلِّي في الأمثلة التالية:

لبنان( ) العالم العربي( ) الكرة الأرضيَّة( ) كتاب رجلٍ( ) الكتاب( ) الشعراء( ) علماء لبنان( ) مجلس الأمَّة في الكويت( ) سيد الشهداء( ) الجزئي( ) هذا الكلِّي( ) الجزئي الإضافي( ) المسجد الكبير( ) الزمان( ) العنقاء( ) جبل النور( ) غار حراء( ) فرزدق( ) أشعار فرزدق( ) مفهوم الخوف( ) حقيقة الخوف( ) الشيطان( ) إبليس( ) الأنبياء( ) آسيا( ) الشمس( ).

السابقالتالي

 

الفهرس