عيوب القافية

عرفنا فيما سبق أن أقل ما يلتزم به الشاعر في القوافي هو حرف الروي، وإذا بدأ الشاعر قصيدته بألف التأسيس وجب عليه أن يلتزم هذه الألف في جميع أبيات القصيدة، وكذلك الردف إذا بدأه بالألف وجب عليه أن يلتزمه، ولا يجوز له أن يعاقب بينها وبين الواو أو الياء، وإنما المعاقبة تجوز بين الواو والياء في القصيدة الواحدة، فإذا أخل الشاعر بما هو واجب الالتزام في القافية فإنه قد يُلحِقُ بشعره عيبا من عيوب القافية.

أقسام العيوب:

العيوب التي تتعلق بالقافية قسمان:

قسم أجازه النقاد في شعر المولدين (المتأخرين)، ولكن يحسن الاحتراز منه، وقسم منعوه في شعر المولدين (المتأخرين) منعا باتا، وإذا جاء يعتبر عيبا مشينا، وما جاء منه في شعر الأقدمين فهو زلات لا يصلح للمتأخرين تقليدهم .

والمُوَلَّد: هو ما يعود زمانه إلى ما بعد منتصف القرن الثاني الهجري، أي إلى ما بعد عصر الاحتجاج بالنسبة إلى عرب الأمصار، وإلى أواخر القرن الرابع الهجري بالنسبة إلى عرب البوادي. وأول المولدين بشار بن برد.

أولا: العيوب المغتفرة للمُوَلَّدِيْن:

(1) الإِيطاء: هو أن تتكرر كلمة الروي بلفظها ومعناها في قصيدة واحدة من غير فاصل يعتدُّ به كسبعة أبيات، وهو مأخوذ من (المواطاة) التي تعني الموافقة، مثل:

لقد هتفتْ في جنح ليل حمامةٌ ** على فننٍ وَهْنًا وإني لنائمُ

أأزعمُ أني هائمٌ ذو صبابة ** لسعدى ولا أبكي وتبكي الحمائمُ

كَذِبْتُ وبيتِ اللهِ لو كنتُ عاشقا ** لما سبقتني بالبكاءِ الحمائمُ

أما إذا اتفقت الكلمتان لفظا واختلفتا معنًى فإن ذلك يعد من ضروب الإبداع والتزيين، وهو دليل الإحاطة العلمية ورسوخ قدم القائل في اللغة، ولا يتسنى لكل أحد أن يأتي بمثل هذا، مثال ذلك:

ماذا نؤمل من زمانٍ لم يزلْ ** هوَ راغبا في خاملٍ عن نَابِهِ

نلقاه ضاحكةً إليه وجوهُنا ** وتراه جهمًا كاشرًا عن نَابِهِ

فـ(نابه) الأولى ذو نباهة، والنباهة ضد الخمول، و(نابه) الثانية بمعنى السِّن.

(2) التَّضْمِين:

وهو تعلق قافية البيت بصدر البيت الذي يليه وهو نوعان:

أ- قبيح: وذلك إذا كان مما لا يتم الكلام إلا به، كالفاعل، والصلة وجواب الشرط، وخبر المبتدأ والنواسخ، مثل:

وهمْ وردوا الجِفارَ على تميمٍ ** وهمْ أصحابُ يومِ عكاظَ إنِّيْ

شهِدتُ لهم مواطنَ صادقاتٍ ** شهدنَ لهمْ بحسنِ الظنِّ مِنِّيْ

فقوله: (شهدتُ) خبر (إن) في البيت السابق.

ب- مقبول: إذا كان الكلام يتم بدونه كالتوابع، وما أشبهها من الفضلات، مثل:

وتعرفُ فيهِ منْ أبيهِ شمائلا ** ومن خاله ومن يزيدَ ومن جُحُرْ

سماحةَ ذا ، وبِرَّ ذا ووفاءَ ذا ** ونائلَ ذا إذا صحا وإذا سَكِرْ

فـ(سماحةَ) وما بعده بدل اشتمال من قوله (شَمائِلا).

(3) السِّناد:

وهو اختلاف ما يراعى قبل الروي من الحروف والحركات، وهو خمسة: اثنان باعتبار الحروف، وثلاثة باعتبار الحركات:

أ- سناد الردف: وهو جعل بعض الأبيات مردوفة، وبعضها غير مردوف، مثل:

إِذا كُنتَ في حاجةٍ مُرسلا ** فأرسلْ حكيما ولا تُوْصِهِ

وإِنْ بابُ أمرٍ عليك التوى ** فشاورْ حكيمًا ولا تعْصِهِ

فالبيت الأول مردوف والثاني غير مردوف.

ب- سناد التأسيس: وهو جعل بعض الأبيات مؤسسة، وبعضها غير مؤسس، مثل:

الرأيُ رأيُ أميرِ المؤمنينَ إذا ** حارتْ رجالٌ وضلتْ في مَرَائِيْهَا

أسدى إليَّ أميرُ المؤمنين يدًا ** جلَّتْ كما جل في الأملاك مُسْدِيْهَا

بيضاءَ ما شابها للأبرياء دمٌ ** ولا تَكَدَّر بالآثام صافِيْهَا

فالبيت الأول والثالث فيهما ألف تأسيس، والبيت الثاني غير مؤسس.

ج- سناد الإشباع: وهو تغيير حركة الدخيل في القافية المطلقة والمقيدة، مثل:

وهلْ يتكافا الناس شتى خلالهم ** وما تتكافا في اليدين الأَصَابِعُ

يُبجَّلُ إجلالا ويُكْبَرُ هيبةً ** أصيلُ الحجى فيه تُقًى وَتَوَاضُعُ

ففي البيت الأول حركة الدخيل وهو الباء كسرة، وفي البيت الثاني حركة الدخيل وهو الضاد ضمة.

د- سناد الحذو: وهو اختلاف حركة ما قبل الردف، مثل:

السِّحْرُ من سود العيون لَقِيْتُهُ ** والبابِلِيُّ بلحْظِهِنَّ سُقِيْتُهُ

الناعساتُ الموقظاتُ من الهوى ** المُغْرِياتُ بهِ وكُنْتُ سَلَيْتُهُ

فحركة القاف في البيت الأول، وحركة اللام في البيت الثاني تسمى حذوا، وكان ينبغي أن تتحد حركة ما قبل اليائين، لكنها جاءت في البيت الأول كسرة وفي البيت الثاني فتحة.

هـ- سناد التوجيه: وهو اختلاف حركة ما قبل الروي المقيد (الساكن)، مثل:

إنَّ (لا) بعد (نعم) فاحشةٌ ** فبـ(لا) فابدأْ إذا خِفْتَ النَّدَمْ

لا تراني راتعا في مجلسٍ ** في لحوم الناس كالسَّبْعِ الضَّرِمْ

فحرف الروي الميم الساكنة، وقد جاء توجيه القافية الأولى فتحة، وتوجيه الثانية كسرة.

هذه العيوب المتقدمة قد اغتفر للمولدين (المتأخرين) ارتكابهُا لوقوعها كثيرا في شعر المتقدمين إلا التضمين القبيح، فهو عيب غير مغتفر ويجب الاحتراس منه.

ثانيا: العيوب التي لا تغتفر للمولدين:

(1) الإقواء:

هو اختلاف حركة الروي بالضم والكسر أي اختلاف حركة المجرى في القصيدة الواحدة، وهو مأخوذ من قول العرب: (أقوى الفاتلُ حبلَه) إذا خالف بين قواه فجعل إحداهن قوية والأخرى ضعيفة، ومثاله:

أَمِنْ آل ميةَ رائحٌ أو مُغْتَدِيْ ** عجلانَ ذا زادٍ وغيرَ مُزَوَّدِ

زعم البوارِحُ أنَّ رحلتَنا غدًا ** وبذاكَ خبَّرنا الغُرَابُ الأَسْوَدُ

لا مرحبًـا ولا أهـلا بـهِ ** إنْ كان تفريقُ الأحِبَّةِ في غدِ

فقد جاء الرويّ (الدال) في البيت الأول والثالث مكسورًا، وفي البيت الثاني مضموما .

(2) الإِصْراف:

وهو الانتقال بحركة الروي (المجرى) من الفتح إلى غيره، أو من غير الفتح إلى الفتح، وهو مأخوذ من قولهم: صرفت الشيءَ أي أبعدته عن طريقه، كأن الشاعر صرف الروي عن طريقه الذي كان يستحقه من مماثلة حركته لحركة الروي الأول، مثل:

ألم ترني رددتُ على ابن ليلى ** منيحتَهُ فعجَّلْتُ الأدَاءَ

وقلتُ لشاتهِ لما أتتنا ** رماكِ اللهُ من شاةٍ بداءِ

فقد جاء الرويّ (الهمزة) في البيت الأول مفتوحا، وفي البيت الثاني مكسورًا.

(3) الإِكْفاء:

وهو اختلاف الروي بحروف ذات مخرج واحد أو متقاربة المخرج في قصيدة واحدة ، وهو مأخوذ من قولهم: فلان كفء فلان، أي مماثل له؛ لأن أحد الطرفين مماثل للآخر، أي مقارب له في المخرج، مثل قول الراجز:

إِذَا نزلتُ فاجعلانيْ وَسَطَا

إنيَ شيخٌ لا أطيقُ العُنَّدَا

البيت الأول رويه الطاء، والثاني الدال، وهما من مخرج واحد، وهو طرف اللسان وأصول الثنايا.

(4) الإِجازَة (الإِجارَة):

وهو اختلاف الروي بحروف متباعدة المخارج في قصيدة واحدة، وسمي بذلك لتجاوزه الحدود المرسومة وتعديها، مثل:

خليليَّ سِيرا واتركا الرحلَ إنني ** بِمَهْلَكَةٍ والعاقباتُ تَدُوْرُ

فبيناه يشري رحلَهُ قال قائلٌ ** لِمَنْ جملٌ رِخْوُ الملاطِ نَجِيْبُ؟

البيت الأول رويه الراء، والثاني الباء، والحرفان مختلفان ومتباعدان في المخرج.

أسئلة وتدريبات على ما سبقت دراسته

أولا: تمرين محلول:

وقع في كل من المجموعتين الآتيتين عيب من عيوب القافية، حدد موقعه، واذكر لقبه، ونوعه:

(1)

ألا هل ترى إن لم تكن أم مالكٍ

 

بِمُلْكِ يدي أن الكفاءَ قليلُ

 

رأى من خليليه جفاءً وغِلْظةً

 

إذا قام يبتاع القَلوصَ ذَمِيمُ

...................................................................................

(2)

فلم أرَ شيئا كان أحسن منظرًا

 

من المزن يجري دمعُه وهو ضَاحِكُ

 

مررنا على الروض الذي قد تبسمتْ

 

رُباهُ وأرواحُ الأَبـارقِ تُسْفَكُ

الجواب:

(1) موقع العيب في المجموعة الأولى (قليلُ) ، (ذميمُ)، وهذا العيب يسمى (الإجازة) وهو اختلاف الروي بحروف متباعدة المخارج، وهو من العيوب التي لا تغتفر للمولدين.

(2) موقع العيب في المجموعة الثانية (ضاحكُ)، (تسفكُ)، وهذا العيب يسمى (سناد التأسيس) وهو أن يسند الشاعر بيتا ويترك آخر، وهو من العيوب التي تغتفر للمولدين.

ثانيا: أسئلة وتدريبات:

س1:  العيوب التي تتعلق بالقافية قسمان، اذكرهما.

س2: ما العيوب المغتفرة للمولدين؟، مثل لواحد منها.

س3: من عيوب القافية (الإيطاء)، ما المقصود به؟، أورد مثالا له.

س4: عرف التضمين، واذكر نوعيه، ثم وضحهما، مع التمثيل لهما.

س5: ما السناد عند علماء القافية؟، وما أقسامه؟، وضحها مع التمثيل له بمثال واحد. 

س6: من العيوب التي لا تغتفر للمولدين (الإقواء)، عرفه ثم مثل له.

س7: ما الإصراف؟، ولم سمي بهذا الاسم؟، أورد مثالا له.

س8: ما الفرق بين (الإكفاء) و (الإجارة) ؟، أورد مثالا لأحدهما.

س9: وقع في كل من المجموعات الآتية عيب من عيوب القافية، حدد موقعه، واذكر لقبه، ونوعه:

(1)

لا بأس بالقوم من طولٍ ومن قصرٍ

 

جسم البغالِ وأحلامُ العصافيرِ

 

كأنهم قصبٌ جفَّتْ أسافلهُ

 

مثقَّبٌ نفختْ فيه الأعاصيرُ

...................................................................................

(2)

أريْتُكَ إن منعتَ كلام يحي

 

أتمنعنيْ على يحي البكاءَ

 

ففي طرفي على يحي سهادٌ

 

وفي قلبي على يحي البلاءُ

...................................................................................

(3)

اَلمْ ترَ أنَّ تغلبَ أهلُ عزٍّ

 

جبالُ معاقلٍ ما يُرْتَقَيْنَا

 

شربنا من دماء بني تميمٍ

 

بأطراف القنا حتى رَوِيْنَا

السابقالتالي

 

الفهرس